2026-07-20

“لاباس” في مهرجان الحمامات.. ذاكرة حيّ مهدوم تنبض على الركح

في واحدة من أكثر سهرات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي كثافة على مستوى الصورة والمعنى، قدّم المخرج والكوريغراف سليم بن صفية عرضه “لاباس”، وهو عمل مزج بين الرقص المعاصر والموسيقى الحية والفن التشكيلي ليطرح أسئلة الذاكرة والفقدان والصمود بعيدا عن الخطاب المباشر.

العرض الذي شارك في إنجازه عدد من الراقصين والموسيقيين، اختار أن يجعل الجسد وسيلته الأساسية للتعبير. فلا حكاية تقليدية تُروى على الركح، ولا شخصيات محددة تقود الأحداث، بل سلسلة من الحركات والإيماءات التي تستحضر الغياب وتحاول مقاومته. أجساد تتعثر وتنهض، تتباعد وتتقارب، وكأنها تبحث باستمرار عن معنى البقاء في مواجهة ما يهدد بالاندثار.

واعتمد العمل على سينوغرافيا صممتها الفنانة نادية الكعبي-لينك، استوحتها من حي المغاربة بمدينة القدس، وهو حي تاريخي أُزيل بالكامل بعد احتلال القدس الشرقية سنة 1967. وتحولت الجدران الشفافة المنتشرة على الركح إلى رمز لذاكرة عصية على المحو، فيما أضفت حركة هذه العناصر مع الهواء القادم من البحر بعدا بصريا جعل المكان الغائب حاضرا طوال العرض.

ولم يقتصر استحضار الذاكرة على الفضاء الركحي فقط، بل امتد إلى الكتابة الكوريغرافية التي جمعت بين حركات فردية وأخرى جماعية، في إشارة إلى العلاقة بين التجربة الشخصية والذاكرة المشتركة. كما حضرت بعض الإشارات المستلهمة من الدبكة الفلسطينية إلى جانب إيقاعات تونسية، لتؤكد فكرة التواصل بين الثقافات والتمسك بالجذور.

وترك “لاباس” مساحة واسعة للتأويل، إذ لم يقدّم رسائل جاهزة أو مواقف معلنة، بل دعا الجمهور إلى قراءة الصور والحركات وفق تجاربه الخاصة. غير أن الفكرة التي بدت جامعة لمختلف المشاهد هي أن الذاكرة لا تُختزل في الأمكنة، وأن ما يهدمه الواقع يمكن للفن أن يعيد بناءه رمزيا.

وبهذا الطرح، انسجم العرض مع شعار الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي “ذاكرة تعيش”، مقدما تجربة فنية جعلت من الرقص لغة لسرد ما تعجز الكلمات عن قوله، ومن الركح مساحة لاستعادة أمكنة غابت عن الجغرافيا لكنها بقيت حية في الوجدان.

‫شاهد أيضًا‬

يارا تسحر جمهور الحمامات في أول ظهور لها بالمهرجان الدولي