على هامش مشاركة “لطفي بوشناق” و”الشاب خالد” حفلة “صابر الرّباعي”: هــل هـي صـناعة االتــرندب أكـثر مــن خـــدمة المشروع الفني؟
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
قبل أن يتحول الأمر إلى موضة تتكرر في المهرجانات والحفلات الكبرى، كانت مشاركة فنان لفنان آخر فوق الركح حدثًا استثنائيًا تفرضه مناسبة خاصة أو لحظة فنية نادرة. أما اليوم، فقد أصبحت دعوة “ضيف مفاجأة” أو أكثر جزءًا من هندسة العرض نفسه، حتى بات الجمهور ينتظر الاسم الذي سيظهر أكثر مما ينتظر العرض في حد ذاته. وقد عاد هذا النقاش بقوة إثر حفل افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، عندما اختار صابر الرباعي أن يشاركه السهرة كل من لطفي بوشناق والشاب خالد وعدد من الأصوات الشابة، في خطوة قرأها البعض بوصفها تحية للأجيال المختلفة، بينما اعتبرها آخرون دليلاً على تحوّل الحفل إلى فسيفساء من المشاركات أكثر منه عرضًا يحمل توقيع صاحبه.
يصعب إنكار أن لهذا التقليد وجهاً إيجابياً. فالفن، في النهاية، ليس منافسة رياضية، بل مساحة للتشارك وتبادل الاعتراف. حين يدعو فنان نجماً آخر إلى الركح، فإنه يبعث برسالة مفادها أن النجاح لا يلغي الاعتراف بالآخرين، وأن المسيرة الفنية تُبنى على الحوار لا على الإقصاء.
كما تمنح هذه المبادرات الجمهور فرصة نادرة لرؤية أسماء كبيرة تجتمع في عرض واحد، وهو ما يصنع لحظات استثنائية يصعب تكرارها. وقد شهدت المسارح العالمية والعربية نماذج كثيرة من هذه اللقاءات التي بقيت راسخة في الذاكرة لأنها تجاوزت حدود الأغنية إلى الاحتفاء بتاريخ موسيقي كامل.
ومن زاوية أخرى، يتيح حضور الفنانين الشباب إلى جانب الأسماء المخضرمة فرصة للتعريف بأصوات جديدة أمام جمهور واسع، وهو ما يندرج في مفهوم “توريث التجربة” وفتح الأبواب أمام الجيل القادم.
لكن… لمن يعود العرض؟
في المقابل، يطرح النقاد أسئلة مشروعة. فإذا كان الجمهور يقتني تذكرته لمشاهدة فنان بعينه، فإلى أي حد يصبح من المقبول أن يتحول العرض إلى سلسلة من المداخلات والضيوف؟
وفي هذا السّياق يرى بعض المختصين أن الإفراط في هذه الاستضافة قد يكشف، أحياناً، عن ضعف في الرؤية الفنية للعرض، أو عن محاولة لتعويض نقص في عنصر المفاجأة عبر الاستعانة بأسماء أخرى تضمن التفاعل الجماهيري. فبدلاً من أن يكون الضيف إضافة، يصبح وسيلة لإنقاذ الإيقاع أو رفع منسوب الحماس.
ويذهب آخرون إلى أن هذه الظاهرة قد تظلم الفنان نفسه، لأن النجاح الذي يحققه الحفل يتوزع بين عدة أسماء، فلا يعود الجمهور يتذكر هوية العرض بقدر ما يتذكر قائمة الضيوف الذين صعدوا إلى الخشبة.
كما يثير هذا التقليد سؤالاً آخر يتعلق بالعدالة الفنية. فاختيار الضيوف لا يخضع دائماً لمعايير إبداعية، بل قد تحكمه الصداقات الشخصية أو حسابات السوق أو ضرورات الترويج الإعلامي، وهو ما يجعل كثيراً من الفنانين خارج دائرة هذه الدعوات رغم استحقاقهم.
بين الاحتفاء والاستعراض
يميز النقاد عادة بين نوعين من هذه المشاركات. الأول يأتي منسجماً مع الفكرة الجمالية للعرض، بحيث يكون حضور الضيف مبرراً درامياً أو موسيقياً، ويضيف معنى جديداً للعمل. أما الثاني فيتحول إلى مجرد استعراض للأسماء، هدفه صناعة “الترند” وإشعال مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من خدمة المشروع الفني.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالنجاح لا يقاس بعدد الفنانين الذين اعتلوا الركح، وإنما بمدى انسجام العرض وقدرته على الاحتفاظ بهويته. فالحفل ليس مهرجاناً داخل مهرجان، بل عمل يحمل توقيع صاحبه أولاً وأخيراً.
حين يصبح التكريم لغة لا وصفة جاهزة
ما فعله صابر الرباعي في افتتاح قرطاج يمكن قراءته باعتباره تحية لرموز الأغنية التونسية والعربية، ورسالة انفتاح على الأصوات الجديدة، وهي قراءة تجد ما يبررها في طبيعة المناسبة الافتتاحية. غير أن تحويل هذا الخيار إلى قاعدة ثابتة قد يفقده قيمته الرمزية، لأن أجمل التحايا هي تلك التي تأتي في وقتها، لا تلك التي تتحول إلى وصفة جاهزة تتكرر في كل حفل.
فالركح، في النهاية، لا يحتاج إلى كثرة الأسماء بقدر ما يحتاج إلى فكرة فنية واضحة. وعندما يصبح الضيف ضرورة جمالية، يكون حضوره مكسباً للجميع؛ أما إذا تحول إلى وسيلة لاستعارة البريق، فإن العرض يخسر جزءاً من فرادته، ويغادر الجمهور وهو يتذكر المفاجآت أكثر مما يتذكر صاحب السهرة نفسه.
السينما التونسية على موعد مع موسم استثنائي من الدراما الاجتماعية إلى الرعب والرسوم المتحركة… عشرات المشاريع ترسم ملامح الموسم السينمائي الجديد
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي تبدو السينما التونسية على أعتاب واحد من أ…
