على هامش ظاهرة تركيب الأعمال الموسيقية بالذكاء الاصطناعي: لا يـمكن إيـقاف الـتطوّر ولـكن يـمكن تـوظيـفه لكـشــف التحيـّل
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
لم يعد السؤال اليوم: هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي الموسيقى والفنون؟ فهذا التغيير بدأ فعلاً، ولم يعد ممكناً إيقافه. السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا سيحدث عندما يصبح إنتاج عمل يشبه الفن أسهل وأسرع وأقل كلفة من صناعة الفن نفسه؟ هنا تحديداً تكتسب التحذيرات من تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى خيار سهل في الموسيقى وبعض الأعمال الرمضانية، معناها الأوسع. فالمشكلة ليست في الآلة ذاتها، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها إلى وسيلة لتجاوز الموهبة والخبرة والعمل الطويل.
لقد أتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إنتاج موسيقى وصور وأفلام ونصوص وأصوات تكاد تستعصي أحياناً على التمييز عن إنتاج البشر. وفي المجال الصوتي تحديداً أصبحت تقنيات تركيب الكلام وتحويل الصوت قادرة على محاكاة أصوات بشرية بصورة واقعية، وهو ما يفتح الباب أمام انتحال الشخصية والتضليل والاحتيال. وفي الموسيقى بدأت المنصات نفسها تواجه مشكلة التدفق الهائل للأعمال الاصطناعية، إلى درجة أن سبوتيفاي أعلنت عن إجراءات لتمييز االشخصيات الفنيةب المولدة بالذكاء الاصطناعي وإبعادها عن بعض التوصيات الخوارزمية.
لكن علينا، قبل أن نعلن أن الذكاء الاصطناعي اخترع التحيل، أن نتذكر أن التحيل أقدم كثيراً من الذكاء الاصطناعي. فالإنسان عرف التزييف والسرقة والانتحال منذ أن أصبح للعمل الإبداعي قيمة مادية ورمزية. ومع ظهور الطباعة اتسعت إمكانات نسخ الكتب وإعادة نشرها وانتحال الأعمال، ثم جاء عصر التسجيل والصورة ليجعل استنساخ المنتج الفني أكثر سهولة، قبل أن تأتي شبكة الإنترنت فتفتح الباب أمام النسخ والتداول غير المشروع على نطاق غير مسبوق، خصوصاً في الموسيقى والسينما والكتب.
الجديد في الذكاء الاصطناعي أنه لا يكتفي بنسخ الزيف، بل يستطيع إنتاجه بكميات هائلة وبسرعة خاطفة وبكلفة تكاد تكون رمزية. وهنا يصبح الخطر أكبر ، ليس لأن كل مستخدم للذكاء الاصطناعي متحيل، وإنما لأن التكنولوجيا تمنح أنصاف المواهب والمتطفلين والمحتالين أدوات لم تكن متاحة لهم من قبل. شخص لم يتعلم الموسيقى يستطيع إنتاج مقطع موسيقي، ومن لا يعرف الكتابة يستطيع تركيب نص، ومن لا يملك خبرة في الصورة يستطيع إنتاج مشهد سينمائي، ومن لا يمتلك صوتاً غنائياً يستطيع محاكاة صوت مغنٍّ حقيقي.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الموهبة. فالفن ليس مجرد منتج نهائي يمكن قياسه بعدد الثواني أو الكلمات أو الصور. فوراء العمل الفني تجربة وذاكرة وحساسية وثقافة واختيارات وجماليات ومسار طويل من الفشل والتجريب. و الآلة تستطيع أن تحاكي الأثر، لكنها لا تعيش التجربة التي أنتجت ذلك الأثر.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة، بل بين الإبداع والزيف، وبين من يستخدم التكنولوجيا لتوسيع قدراته ومن يستخدمها لاختصار الطريق على حساب الموهبة والحقوق.
والحل لا يكمن في الحنين إلى زمن ما قبل الذكاء الاصطناعي. فكل تحول تكنولوجي كبير كان يفرض معه أشكالاً جديدة من التنظيم والحماية. المطلوب اليوم هو تطوير أدوات تكشف مصدر العمل وتوثق مساره، عبر العلامات الرقمية، والبيانات الوصفية، والبصمات التقنية، وسلاسل إثبات المصدر، إلى جانب آليات بشرية للتحقق. وهي حلول بدأت المؤسسات الدولية والتشريعات الحديثة في تطويرها؛ فالاتحاد الأوروبي أقرّ قواعد لتمييز المحتوى الاصطناعي وإتاحة كشفه، ودخلت متطلبات الشفافية الأساسية في قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حيّز التطبيق في 2 أوت 2026.
غير أن التقنية وحدها لا تكفي. نحن في حاجة أيضاً إلى ثقافة جديدة في التلقي والنقد تربي لدينا السؤال عن مصدر العمل، وعن صاحبه، وعن طريقة إنتاجه، وتجعلنا نعيد الاعتبار إلى السيرة الإبداعية والخبرة والمعرفة، لا إلى بريق النتيجة وحده.
إن الذكاء الاصطناعي هو، في النهاية، ثمن التطور نفسه. وكل تطور يفتح أبواباً للحرية وأبواباً للاستغلال. والتحدي ليس أن نغلق الأبواب خوفاً من المحتالين، بل أن نبتكر مفاتيح جديدة لكشفهم. فالمستقبل لن يكون بالضرورة للآلة على حساب الإنسان، وإنما لمن يستطيع أن يجعل التكنولوجيا أداة للإبداع لا بديلاً عن الموهبة، ووسيلة لتوسيع الفن لا مصنعاً لإنتاج الزيف.
الدورة التاسعة والثلاثون للمهرجان الصيفي بزغوان أسبوع من الطرب والمسرح وسهرة فلكلورية من الهند
الصحافة اليوم:كمال الشيحاوي في مدينةٍ تعانق الجبل وتحرسها آثارٌ رومانية…
