تسلّمت تونس أمس الاثنين 7 سبتمبر 2026 بالعاصمة المصرية القاهرة رسميّا رئاسة مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري للفترة من سبتمبر 2026 إلى مارس 2027 وذلك بالتزامن مع أشغال دورته العادية 166.

ورغم الطابع العادي لهذه العملية التي يحكمها التداول الآلي على الرئاسة بين الدول الأعضاء فإن الرئاسة التونسية ليست عادية حتى لا نقول استثنائية للعديد من الاعتبارات التي أكدها تاريخ جامعة الدول العربية ومختلف مؤسسات العمل العربي المشترك.

صحيح أن انتقادات عديدة توجّه لجامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945،  خصوصا  في ما يتعلق بضعف قدرتها على تحويل قراراتها إلى إجراءات عملية، وبالخلافات السياسية بين الدول الأعضاء، لكن انتظارات الشعوب العربية في ظل الأوضاع الراهنة والتحديات المرتبطة بحقوق  هذه الشعوب وفي مقدمتها الحق في الوجود والحق في السلم والأمن والنماء يفرض النظر لهذه المؤسسة من الزاوية الإيجابية والدفع في اتجاه اصلاحها والارتقاء بعملها.

إن صورة المشهد الدولي تفرض التمسك بالجامعة أسوة بشعوب أخرى كالآسيويين أو الأفارقة أو الأروبيين الذين تمكنّوا من تأسيس اتحاد كرّس إلى حدّ كبير مبدأ التضامن والدفاع المشترك وتحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي، ونستحضر هنا مرافقة الدول الأوروبية التي مرت بأزمات حادة في ما بينها على غرار اليونان في وقت من الأوقات دون أن ننسى الموقف الجماعي من الحرب الروسية الأوكرانية..

وطبيعي أن يختلف الأمر في التجربة العربية بحكم افتقار جامعة الدول العربية لآليات قوّية ملزمة لإجبار الدول الأعضاء على تنفيذ قراراتها، وما يزيد في صعوبة ذلك التوجهات السياسية والمصالح والتحالفات الخارجية التي كانت وما تزال في العديد من الأحوال مختلفة إلى حدّ التناقض للأسف.

وللأسف أيضا برزت محدودية قدرة الجامعة العربية على التدخل في الأزمات الداخلية أو فرض حلول جماعية تسمح بمنع بعض النزاعات العربية أو إنهائها بصورة حاسمة بالإضافة إلى محدودية التعاون الاقتصادي والعسكري.

وتظل النقطة الأكثر إثارة للقلق، الموقف من الحق الفلسطيني فالفجوة بين بيانات وأدبيات جامعة الدول العربية وفعلها في الواقع عميقة للغاية في الوقت الذي يزداد فيه صلف الكيان الصهيوني المدعوم أمريكيا وغربيا.

هذا هو إذن الإطار العام الذي تسلّمت فيه بلادنا من مملكة البحرين رئاسة مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، أضف إلى ذلك تعذّر عقد القمة العربية الـ35 هذا العام في مستوى الملوك والرؤساء والمقرّرة في المملكة العربية السعودية إلى حد الآن دون أن ننسى عدم وجود سفير أو مندوب دائم لتونس في القاهرة التي تستضيف مقر الجامعة.

بقي أنه بالرجوع إلى ثوابت الدبلوماسية التونسية وإلى المصداقية التي تتمتع بها بلادنا مع جميع الأشقاء دون استثناء، يمكن المجازفة بالقول ان الرئاسة التونسية لمجلس الجامعة ستكون رئاسة للحوار والتشاور والتنسيق ودعم مسارات التوافق العربي والتقريب بين وجهات النظر بهدف تعزيز وحدة الموقف العربي والتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تواجهها المنطقة العربية بروح جماعية ومسؤولة.

ولئن يبدو اختراق بعض التحدّيات صعبا صراحة بحكم مستجدّات الأوضاع في المنطقة العربية والتقاطعات الدولية، فإن الاهتمام والتركيز على الوضع في الأراضي الفلسطينية، في ظل تواصل الاعتداءات الهمجية على الشعب الفلسطيني الشقيق في قطاع غزة والضفة الغربية سيكون بارزا وناجعا في تقديرنا كما كان الأمر عبر التاريخ.

ويشهد الفلسطينيون بثبات ومبدئية الموقف التونسي من حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على كامل تراب فلسطين التاريخية وعاصمتها القدس الشريف، ويدركون أهمية الدبلوماسية التونسية، الرسمية والنقابية والمدنية والبرلمانية التي دافعت على الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية وساهمب بفعالية في فلسطنة العالم بالإضافة إلى الموقف المتقدم رسميا وشعبيا من التطبيع مع الكيان الصهيوني.

والأمل أن تكون مواقف الجامعة في مستوى مجلس الوزراء برئاسة تونس في حجم انتظارات الفلسطينيين الذين يتعرّضون هذه الأيام إلى هجمة صهيونية عنيفة في غزة والضفة الغربية بل في عموم فلسطين.

‫شاهد أيضًا‬

‎تطوير وحوكمة المؤسّسات والمنشآت العمومية «الكرة» في ملعب «المسيّرين»..!

‎وجّهت رئيسة الحكومة إلى الوزراء وكتّاب الدولة ورؤساء المؤسسات والمنشآت العمومية ومراقبي ا…