في إطار سلسلة اللقاءات الثنائية التي أجراها بمناسبة مشاركته في أشغال الجزء رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بنيويورك، التقى وزير الخارجية محمد علي النفطي بالمفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا. وقد مثّلت مراجعة اتفاقية الشراكة أحد المحاور التي تم التطرق إليها في هذا اللقاء.
وفي هذا الإطار يمكن التأكيد على أن هذه المحادثة التي جمعت وزير الخارجية مع المسؤولة الأوروبية قد جاءت في وقت ترنو فيه تونس الى إعادة ترتيب الشراكة وعلاقات التعاون مع الاتحاد الأوروبي، حتى تكون أكثر توازنا وتتلاءم مع التحولات التي شهدها الجانبان والمنطقة المتوسطية عموما خلال السنوات الأخيرة. لتتجاوز الفحوى مجرد متابعة الملفات التقليدية، الى طرح ملفات أوسع حول مستقبل العلاقة بين تونس والاتحاد الأوروبي وآليات تطويرها.
وبالمناسبة مثّلت مسألة المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية لبلادنا وتطوير أطر الحوار أبرز عناوين لقاء النفطي بالمفوضة الأوروبية للمتوسط. ذلك انه بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، تطرح تونس اليوم مسالة مراجعة هذه الاتفاقية حتى تكون أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات التي عرفتها المنطقة والعالم اقتصاديا وجيوسياسيا، وكذلك حتى تتحول العلاقة بين ضفتي المتوسط من شراكة تاريخية إلى شراكة أكثر واقعية وإنصافا وتضامنا.
وتحيل دعوة بلادنا إلى مراجعة اتفاقية الشراكة بينها وبين الاتحاد الأوروبي الى ان المسار الطويل من التعاون قد أصبح يحتاج بعد عقود من الزمن إلى أدوات جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي وعلى العلاقات الدولية وعلى حاجيات الاقتصاد التونسي. ذلك أن هذا المسار انطلق باتفاقية الشراكة الموقّعة سنة 1995، التي أرست الإطار الأساسي للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين قبل أن يتطور هذا الإطار لاحقا إلى شراكة استراتيجية وشاملة. ثم جاءت مذكرة التفاهم الموقّعة سنة 2023، التي أكدت على أن مجالات التعاون لا تقتصر على علاقات تعاون وشراكة اقتصادية وتجارية، بل تتجاوزها الى ملفات أخرى، منها الطاقة والهجرة والتقارب بين الشعوب، إلى جانب الحوار السياسي.
وبالتالي مع مرور الزمن والتطورات الحاصلة أصبحت العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي غير قابلة لأن تدار بمنطق الشراكة التقليدية التي تختزل التعاون في المبادلات التجارية أو الدعم المالي، بل أصبحت في حاجة إلى رؤية جديدة تستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها العالم وتراعي في الوقت نفسه خصوصية المصالح الوطنية التونسية. واليوم صار من الضروري الانتقال بهذه العلاقة إلى مستوى أكثر توازنا، يقوم على الاحترام المتبادل والندية ويجعل من المصالح المشتركة أساسا للتعاون بعيدا عن أي تصور يقوم على الإملاء أو التدخل في الشأن الداخلي.
وبالموازاة مع الدعوة إلى مراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في اتجاه تطويرها، تعلن بلادنا تشبثها بالسيادة الوطنية، كمبدإ لا حياد عنه. وهو ما أكد عليه وزير الخارجية في لقائه بالمسؤولة الأوروبية. وتبرز أهمية هذا المبدإ بصفة خاصة في علاقات تونس بهذا الفضاء باعتبار تعدد المصالح والملفات المشتركة التي تجمعهما، ما يفرض إيجاد آليات حوار بين الجانبين، تكون قادرة على استيعاب الاختلافات وإدارتها بعيدا عن منطق الضغوطات. ذلك أن بلادنا مع انفتاحها على الشراكات الدولية ترفض بصفة قطعية التنازل عن استقلالية قرارها الوطني، كما ترفض أن يكون الاختلاف عائقا أمام استمرار الحوار والتعاون.
وعموما تبدو الرسالة التي وجّهتها تونس من خلال اللقاء الذي جمع وزير الخارجية ومفوضة الاتحاد الأوروبي واضحة، إذ تدفع نحو تطوير العلاقات مع هذا الفضاء على أسس جديدة. أسس تجعل المصالح المشتركة محورا للتعاون والسيادة قاعدة لهذه العلاقات والحوار آلية لمعالجة الاختلافات. وفي هذا الإطار، تصبح مراجعة اتفاقية الشراكة فرصة لإعادة تقييم ما تحقق وتحديد ما يحتاج إلى تطوير وربط التعاون الأوروبي بصورة أوضح بالأولويات التنموية التونسية.
وتعكس دعوة بلادنا الى مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مدى الوعي بما تتطلبه المرحلة من مضيّ نحو إرساء شراكة تقوم على منطق تكامل المصالح لا على منطق التبعية وعلى الحوار لا على الشروط الأحادية وعلى عدم النظر إلى تونس كمجرد سوق أو بوابة للهجرة، وإنما كدولة ذات سيادة وشريكا قادرا على الإسهام في أمن واستقرار وازدهار الفضاء المتوسطي، لتكتسب هذه الدعوة في هذا الظرف بالذات أهمية خاصة نظرا لكثرة التحديات التي تواجه المتوسط، من هجرة وتغير مناخي وأمن وطاقة وأمن غذائي ومائي، وهي ملفات لا تستطيع دولة واحدة معالجتها بمفردها، بما يجعل التعاون المتوسطي القائم على المصالح المشتركة ضرورة عملية وليس خيارا.
الذكرى السبعون لانبعاث الحرس الوطني بين ذاكرة الماضي ومتطلّبات المستقبل
تحيي تونس اليوم الموافق للسادس من سبتمبر الذكرى السبعين لانبعاث الحرس الوطني. إذ في مثل هذ…









