واقعة الاعتداء الوحشي على يقين : العنف وقد أصبح سمة لمجتمع يتآكل من الداخل
لماذا تردى المجتمع التونسي في الدموية الى هذا الحد؟ وهل يمكن القول ان المعايير والقيم تآكلت واصبح كل شيء ممكنا دون حدود او ضوابط ؟ وهل تفشي ظاهرة المخدرات هو أساس هذه الوحشية وانتشار الجريمة بكل أنماطها ؟ وماذا عن العنف الرقمي ؟
هذه الأسئلة وغيرها كثير نطرحها في كل مرة عندما نصدم بجريمة موغلة في الوحشية في مجتمع من المؤسف القول إنه يتجه بسرعة فائقة نحو ” الدموية “.
وصدمتنا هذه المرة مركبة فالضحية المراهقة يقين التي غادرت البيت للقاء صديقتها في مقهى ولم تعد بل انتهت في قسم العناية المركزة بعد ان تحول جسدها الصغير الى مسرح لعنف جنسي وجسدي وحشي . وما نعرفه الى حدود اللحظة ان الفتاة تعرضت الى التغرير و الاستدراج والاحتجاز والاغتصاب.
والصدمة مركبة وبالغة التعقيد لأن الصداقة تحولت الى بوابة للاستدراج والتغرير تماما كما تحول مجموعة من القصّر الى ذئاب جائعة لنهش جسد بلا حرمة تحت تأثير المخدرات ومحتويات العالم الرقمي وغياب القيم المجتمعية.
وبهذا المعنى فإن هذه الجريمة بمثابة المسمار الذي يدق في نعش منظومة المعايير وتعلن انهيار كل الحدود.
والحقيقة أن الجريمة الكبرى لا تولد دائماً في لحظتها الأخيرة. أحياناً تبدأ قبل ذلك بكثير: في كلمة لم يعترض عليها أحد، وفي عنف صغير تم التسامح معه، وفي محتوى مبتذل جرى تطبيعه، وفي مخدر صار جزء من المشهد اليومي، وفي طفل أو مراهق لم يجد حوله حدوداً واضحة تقول له إن هناك أشياء لا تُفعل مهما كانت الظروف. وفي مدرسة تخلت عن مهمتها التربوية وفي أولياء استقالوا من دورهم جراء ركضهم المحموم خلف لقمة العيش ورغبتهم في توفير الحاجيات المادية التي لا تنتهي لأطفالهم.
وهنا من المهم أن نذكّر ان المجتمعات لا تنهار أخلاقياً دفعة واحدة.
إنها تفقد مناعتها بالتدريج.
حين يصبح العنف مادة للفرجة، والإهانة نوعاً من الفكاهة، والجسد سلعة في سوق المشاهدات، والانحراف موضوعاً للتباهي، والمخدرات جزء من ثقافة بعض الفئات، تبدأ الحدود الفاصلة بين “المقبول” و”المرفوض” في التآكل.
وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته التطبيع مع الانحراف.
فالتطبيع لا يعني أن المجتمع أصبح فاسداً بالكامل، ولا يعني أن كل شاب أو مراهق معرض لأن يتحول إلى مجرم. ولكنه يعني أن بعض السلوك العنيف الذي كانت يصطدم سابقاً بحاجز اجتماعي وأخلاقي قوي أصبح يجد فرصة ليس للظهور والتداول فقط وانما لتبرير حتمية وجوده خاصة في بعض البيئات.
وهذه النقطة بالذات تستحق التوقف.لأن القانون يأتي عادة بعد وقوع الجريمة، أما الثقافة الاجتماعية فتعمل قبلها بسنوات.
ولعل السؤال المحوري هنا الذي نطرحه جميعا :
من أين يأتي العنف؟
الإجابة على هذا السؤال يختزلها في الفقر، أو في التفكك الأسري، أو في المخدرات، أو في وسائل التواصل الاجتماعي. لكن هذا التفسير احادي ومنقوص. .
لأن العنف ظاهرة مركبة، تتداخل فيها الأسرة والمدرسة والحي والأصدقاء والإعلام والفضاء الرقمي والاقتصاد والثقافة والقانون..
وهنا يصبح السؤال أكبر من واقعة اغتصاب يقين على وحشيتها لأنها حتما ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. ما دام العنف لغة اجتماعية مألوفة لدى كل الفئات والطبقات .
الدرس المستفاد من “واقعة ” حريصا : نحن لا نكتفي باستهلاك التفاهة بل نساهم في انتشارها …
قامت الدنيا ولم تقعد جراء انتشار فيديو لواحدة من صناع المحتوى وهي تونسية و قد دعيت الى لبن…









