بخطى حثيثة و ثابتة تونس جسر إقليمي للطاقة
في عالمٍ يزداد عطشاً للطاقة، لم تعد المسألة مجرد إنتاجٍ واستهلاك، بل تحوّلت إلى لعبة خرائط: من يمرّ من أين، ومن يربط ماذا بماذا؟ في هذا السياق، تبدو الرؤية التي عبّرت عنها وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة فاطمة الثابت شيبوب خلال مؤتمر 2026 EGYPES أكثر من مجرد خطاب دبلوماسي. إنها محاولة لإعادة تعريف موقع تونس في معادلة الطاقة الإقليمية: من بلد مستهلك ومستورِد، إلى بلدٍ فاعل، وربما إلى جسرٍ بين ضفّتين.
الفكرة، في ظاهرها بسيطة: تونس، بحكم موقعها الجغرافي، يمكن أن تتحول إلى نقطة عبور بين إفريقيا وأوروبا. لكنها، في عمقها، معقّدة ومليئة بالتحديات. فأن تكون «جسراً للطاقة» يعني أن تمتلك ما يكفي من البنية التحتية، والاستقرار التنظيمي، والقدرة على إدارة تدفقات لا تقتصر على الكهرباء فقط، بل تشمل أيضاً المصالح والتوازنات.
مشروع الربط الكهربائي مع إيطاليا، المعروف باسم « ألماد» هو أحد أبرز ملامح هذه الرؤية. ليس لأنه مجرد كابل تحت البحر، بل لأنه يفتح أفقاً جديداً: إمكانية تصدير الكهرباء، خاصة تلك المنتجة من الطاقات المتجددة، نحو السوق الأوروبية. وهنا تتغير المعادلة: لم تعد الطاقة عبءا يُستورد، بل فرصة يمكن استثمارها.
لكن الجسر لا يُبنى من طرف واحد. الدعوة إلى بناء شراكات إقليمية ودولية ليست ترفاً، بل ضرورة. فمشاريع الطاقة، خاصة العابرة للحدود، تحتاج إلى تمويل ضخم، وتكنولوجيا متقدمة، وتنسيق سياسي. ولا يمكن لدولة واحدة، مهما كانت إمكاناتها، أن تتحمل هذه الأعباء وحدها.
التحولات العالمية في قطاع الطاقة تضيف بعداً آخر. العالم يتجه نحو الطاقات النظيفة، لكن هذا الانتقال لا يحدث بسلاسة. هناك توترات، وتقلبات في الأسعار، وصراعات تعيد رسم خريطة الإمدادات. في هذا المناخ، تصبح القدرة على تأمين الطاقة مسألة سيادية. وتونس، التي عانت طويلاً من فاتورة طاقية مرتفعة، تدرك أن الحل لا يكمن فقط في شراء الطاقة من الخارج، بل في إعادة بناء منظومتها الطاقية من الداخل.
الطاقة المتجددة تمثل هنا مفتاحاً أساسياً. الشمس التي لا تغيب طويلاً، والرياح التي تعبر السواحل والمرتفعات، ليست مجرد عناصر طبيعية، بل ثروة كامنة. تحويل هذه الثروة إلى طاقة فعلية يتطلب استثمارات، لكنه يتطلب أيضاً رؤية واضحة: كيف ننتج؟ كيف نخزن؟ وكيف ننقل؟
النقل، في حد ذاته، معضلة تقنية واستراتيجية. فالربط الكهربائي لا ينجح فقط بمدّ الكابلات، بل يحتاج إلى شبكة متكاملة، قادرة على استيعاب التدفقات، وعلى التعامل مع التذبذب في الإنتاج، خاصة في الطاقات المتجددة. وهنا يأتي الحديث عن البنية التحتية الرقمية، وأنظمة المراقبة المتطورة. فالكهرباء، في عصرنا، لا تُدار فقط بالمحطات، بل أيضاً بالخوارزميات.
الابتكار، في هذا السياق، ليس خياراً إضافياً، بل شرطاً من شروط النجاح. تخزين الطاقة، على سبيل المثال، يظل أحد أكبر التحديات. البطاريات، والهيدروجين الأخضر، وأنظمة التخزين الذكية، كلها مجالات مفتوحة أمام البحث والاستثمار. وتونس، إذا أرادت أن تكون جزءاً من هذه المعادلة، تحتاج إلى أن تفتح أبوابها أمام هذه الابتكارات، وأن تشجع الشراكات بين الجامعات والشركات.
لكن الرؤية لا تكتمل دون البعد الإفريقي. الحديث عن «جسر للطاقة بين إفريقيا وأوروبا» يعني أيضاً إعادة التفكير في العلاقات داخل القارة. إفريقيا تمتلك موارد طاقية هائلة، لكنها تعاني من نقص في البنية التحتية. الربط الإقليمي يمكن أن يخلق شبكة متكاملة، تسمح بتبادل الكهرباء، وتقلل من الفاقد، وتعزز الاستقرار الطاقي.
في هذا الإطار، يمكن لتونس أن تلعب دور الوسيط، لا فقط جغرافياً، بل أيضاً مؤسساتياً. أن تكون منصة للحوار، ومركزاً للاستثمار، ونقطة التقاء للمشاريع. وهذا الدور، إن تحقق، يمنحها مكانة جديدة في المشهد الإقليمي.
لكن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى وقت، وإلى استقرار سياسي، وإلى وضوح في السياسات. المستثمر، بطبيعته، لا يغامر في بيئة غير مستقرة. لذلك فإن تحسين الإطار التنظيمي، وتبسيط الإجراءات، وضمان الشفافية، تظل عناصر حاسمة.
في النهاية، يمكن القول إن تونس تقف اليوم أمام خيارين: إما أن تظل رهينة لتقلبات السوق العالمية، تستورد الطاقة بأسعار لا تتحكم فيها، أو أن تستثمر في موقعها ومواردها لتصبح جزءاً من الحل، لا مجرد متلقّ للأزمات.
أن تكون جسراً للطاقة ليس مجرد طموح جغرافي، بل مشروع وطني. مشروع يبدأ من إنتاج الكهرباء في محطة شمسية، ويمتد إلى كابل يعبر البحر، وينتهي بدور جديد في خريطة الطاقة العالمية.
وفي زمن تُرسم فيه خرائط جديدة للطاقة، قد تكون الفرصة متاحة لتونس كي تعيد رسم موقعها، لا كدولة على الهامش، بل كحلقة وصل بين عالمين.
متابعة الإجراءات الأخيرة لفائدة الجالية بالخارج صيف التونسيين بالخارج بين القرار والتنفيذ
ليس للتونسيين بالخارج موعدٌ مع الصيف فقط، بل مع الوطن نفسه. عودةٌ تتكرر كل عام، لكنها لا ت…

