2026-04-30

حين تدخل تونس العصر الرقمي: السيادة تبدأ من امتلاك التقنية

في عالمٍ لم يعد يُقاس فيه النفوذ بعدد الجيوش فقط، بل بسرعة الإنترنت، ولا تُحسم فيه المعارك بالمدافع وحدها، بل بالخوارزميات، يصبح الحديث عن الانتقال الرقمي حديثاً عن السيادة ذاتها. ومن جنيف، حيث اجتمع وزراء الاتصالات في إطار الاتحاد الدولي للاتصالات، بدا صوت تونس واضحاً: لا مكان في المستقبل لمن يتأخر عن اللحاق.

تصريحات وزير تكنولوجيات الاتصال سفيان الهميسي لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل تعبير عن إدراك يتشكل تدريجياً داخل الدولة: أن الرقمنة لم تعد خياراً، بل ضرورة. وأن البقاء خارج هذا التحول يعني، ببساطة، البقاء خارج الزمن.

الحديث عن «نظام رقمي متعدد الأطراف، قائم على الإنصاف، بعيد عن الهيمنة» قد يبدو، للوهلة الأولى، لغة سياسية مألوفة. لكنه، في الحقيقة، يعكس قلقاً مشروعاً. فالعالم الرقمي اليوم ليس فضاءً محايداً. إنه ساحة تنافس شرس بين قوى كبرى، تتحكم في البيانات، وتضع المعايير، وتفرض قواعد اللعبة. والدول التي لا تملك أدواتها الرقمية، تجد نفسها مستهلكة لا أكثر.

تونس، وهي تدخل هذا المجال، تدرك أنها لا تبدأ من الصفر، لكنها أيضاً ليست في موقع مريح. هناك بنية تحتية تحتاج إلى تحديث، إدارة عمومية تبحث عن التحول، واقتصاد رقمي لا يزال في طور التشكل. ومع ذلك، فإن الفرصة قائمة. فالعالم الرقمي، بخلاف القطاعات التقليدية، يسمح بالقفز، لا فقط بالتدرج.

الذكاء الاصطناعي، الذي كان أحد محاور النقاش في جنيف، لم يعد موضوعاً أكاديمياً. إنه واقع يفرض نفسه في كل القطاعات: الصحة، التعليم، الإدارة، وحتى الفلاحة. السؤال لم يعد هل سنستخدمه، بل كيف سنستخدمه. هل سيكون أداة لتحسين الخدمات، أم عبءا جديداً يزيد الفجوة بين من يملك ومن لا يملك؟

في هذا السياق، يصبح بناء نظام رقمي وطني، مفتوح وشامل، أكثر من مجرد مشروع تقني. إنه مشروع مجتمعي. فالإدارة الرقمية، على سبيل المثال، لا تعني فقط رقمنة الوثائق، بل تغيير طريقة التفكير. تقليص البيروقراطية، تسريع الإجراءات، وتحسين العلاقة بين المواطن والدولة. وهذه، في حد ذاتها، ثورة هادئة.

أما الاستثمار، فإنه يجد في الرقمنة أرضاً خصبة. الشركات اليوم لا تبحث فقط عن اليد العاملة، بل عن بيئة رقمية متطورة: اتصال سريع، قوانين واضحة، وحماية للبيانات. وتونس، إذا أرادت أن تكون وجهة للاستثمار الذكي، عليها أن توفر هذه الشروط. فالمستثمر في الاقتصاد الرقمي لا ينتظر طويلاً، ولا يقبل بالتعقيد.

الدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية، مثل الاتحاد الدولي للاتصالات، مهم في هذا السياق. فهي توفر إطاراً للتعاون، وتساعد على تبادل الخبرات، وتضع معايير يمكن للدول الاستفادة منها. لكن، في النهاية، يبقى الرهان وطنياً. فكل دولة تبني نموذجها وفق احتياجاتها وإمكانياتها.

تونس، وهي تتحدث عن «نظام رقمي بعيد عن الهيمنة»، تضع يدها على جوهر المشكلة. فالعالم الرقمي، رغم انفتاحه الظاهري، يخضع في كثير من جوانبه لاحتكار شركات ودول محددة. والحفاظ على السيادة الرقمية يعني القدرة على اتخاذ القرار، وعلى حماية البيانات، وعلى تطوير حلول محلية.

وهذا لا يعني الانغلاق، بل العكس. الانفتاح مطلوب، لكن بشروط. التعاون مع القطاع الخاص، مع مراكز البحث، مع الشركاء الدوليين، ضروري. لكن هذا التعاون يجب أن يكون متوازناً، يحقق المصلحة الوطنية، ولا يحول البلاد إلى مجرد سوق.

في المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات. الفجوة الرقمية داخل المجتمع، ضعف الثقافة الرقمية في بعض الفئات، ونقص الكفاءات في مجالات متقدمة، كلها مسائل تحتاج إلى معالجة. فالرقمنة، إن لم تكن شاملة، قد تزيد من التفاوت بدل أن تقلصه.

التكوين، هنا، يصبح حجر الأساس. الاستثمار في التعليم، في المهارات الرقمية، في البحث العلمي، هو ما يضمن استدامة هذا التحول. فلا يمكن بناء اقتصاد رقمي بأدوات تقليدية.

في النهاية، ما جرى في جنيف ليس سوى محطة في مسار أطول. مسار تحاول فيه تونس أن تجد موقعها في عالم يتغير بسرعة. أن تكون جزءاً من النظام الرقمي العالمي، لا هامشاً فيه. وأن تتحول من مستهلك للتكنولوجيا إلى مساهم فيها.

وفي زمنٍ تُقاس فيه قوة الدول بما تملك من معرفة، لا بما تملك من موارد فقط، يصبح السؤال بسيطاً وصعباً في آن واحد: هل نلتحق، أم نتأخر؟

الإجابة لا تُكتب في البيانات، بل في ما سيحدث بعد ذلك.

‫شاهد أيضًا‬

حين تضيق الخيارات: القروض كمسار إضطراري لا كحلّ دائم

في لحظةٍ تتكاثر فيها الضغوط وتضيق فيها الهوامش، تعود تونس إلى ما بات يشبه الخيار الإجباري:…