حين تتحوّل تونس إلى بوّابة إفريقيا: منتدى االزليكافب ورهان التّموقع..
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
تحتضن تونس غدا فعاليات الدورة الأولى لمنتدى المنطقة الحرة القارية الإفريقية ازليكافب، تحت شعار امنصة تونس في مواجهة الزليكاف: فرص ونموب، في حدث يبدو في ظاهره لقاء اقتصاديا مهنيا، لكنه في جوهره يعكس تحولا أعمق في الرؤية التونسية لموقعها داخل القارة الإفريقية وفي الطريقة التي تنظر بها إلى مستقبل تجارتها الخارجية وشراكاتها الاقتصادية.
فالبلدان لا تقاس أهميتها فقط بما تنتجه أو تستهلكه، وإنما أيضا بقدرتها على أن تصبح نقطة التقاء للمصالح والأفكار والاستثمارات. وعندما تختار المؤسسات الإفريقية والجهات الاقتصادية الدولية تونس لاحتضان مثل هذه التظاهرات، فإن ذلك لا يتعلق فقط بتوفر قاعات الاجتماعات أو البنية التحتية اللوجستية، بل يعكس قبل كل شيء رصيدا من الثقة السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي راكمتها البلاد على امتداد عقود.
ويأتي هذا المنتدى في ظرف عالمي يتسم بتغيرات اقتصادية عميقة، حيث أصبحت التكتلات الإقليمية أحد أهم أدوات مواجهة المنافسة الدولية الحادة. ولم تعد الأسواق الوطنية الضيقة قادرة وحدها على توفير فرص النمو الكافية، خاصة بالنسبة إلى الاقتصادات المتوسطة والصغيرة التي تحتاج إلى فضاءات أوسع لتصريف منتجاتها وخدماتها وجذب الاستثمارات إليها.
ومن هذا المنطلق تكتسي اتفاقية المنطقة الحرة القارية الإفريقية أهمية استثنائية. فهي تمثل أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وتضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك، مع آفاق نمو اقتصادي تجعل من إفريقيا إحدى أكثر مناطق العالم جاذبية خلال العقود القادمة.
وتدرك تونس أن مستقبلها الاقتصادي لا يمكن أن يبقى رهين عدد محدود من الأسواق التقليدية مهما كانت أهميتها. فالأسواق الأوروبية، رغم مركزيتها، أصبحت شديدة التنافس والتعقيد، بينما تفتح القارة الإفريقية اليوم أبوابا جديدة أمام المنتجات والخدمات والكفاءات التونسية.
ولعلّ أهمية المنتدى لا تكمن فقط في النقاشات النظرية التي ستدور حول التجارة البينية أو قواعد المنشإ أو إزالة الحواجز الجمركية، وإنما في كونه يوفر فضاء عمليا لتحويل الأفكار إلى مشاريع والاتصالات إلى عقود والشراكات إلى استثمارات حقيقية. ولهذا اكتسبت اللقاءات الثنائية المهنية المبرمجة ضمن فعاليات المنتدى أهمية خاصة، لأنها تمثل الجسر الذي يربط بين الطموحات الاقتصادية والواقع الميداني.
كما أن مشاركة وفود اقتصادية وتجارية من دول إفريقية عديدة مثل الكاميرون وكينيا والسينغال ونيجيريا والمغرب وموريتانيا تؤكد أن تونس أصبحت تنظر إلى إفريقيا باعتبارها شريكا استراتيجيا لا مجرد امتداد جغرافي. فالقارة السمراء لم تعد فضاء للمساعدات أو العلاقات الرمزية، بل أصبحت سوقا متكاملة ومجالا للاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا والخدمات.
ومن بين أبرز الرسائل التي يحملها المنتدى أن تونس لم تعد تكتفي بتصدير السلع التقليدية فقط، بل تسعى إلى تصدير المعرفة والخبرة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية. ولهذا نجد أن محاور المنتدى تتناول الرقمنة والتجارة الإلكترونية وتطوير الخدمات، وهي قطاعات تمتلك فيها تونس خبرات وكفاءات معترف بها قاريا.
وليس من قبيل الصدفة أن يخصص المنتدى حيزا لعرض قصص نجاح تونسية في إطار االزليكافب. فالدول التي تنجح في اختراق الأسواق الجديدة لا تعتمد فقط على الإمكانيات المادية، وإنما أيضا على بناء صورة إيجابية عن نفسها وعن مؤسساتها وخبراتها. وكل تجربة ناجحة تتحول إلى سفير اقتصادي جديد يفتح الأبواب أمام تجارب أخرى.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية التي أصبحت اليوم جزءا لا يتجزأ من العمل الدبلوماسي الحديث. فالمنافسة بين الدول لم تعد تدور فقط حول النفوذ السياسي، بل حول القدرة على جذب المستثمرين وكسب ثقة الأسواق واستقطاب المشاريع الكبرى. ومن هنا فإن احتضان تونس لمثل هذه المنتديات يساهم في تعزيز صورتها كبلد مستقر وقادر على تنظيم الفعاليات الدولية الكبرى وإدارة الحوارات الاقتصادية متعددة الأطراف.
كما أن مثل هذه التظاهرات تتيح فرصة مهمة للتعريف بالإصلاحات الاقتصادية الجارية وبمناخ الأعمال وبالفرص الاستثمارية المتاحة في مختلف القطاعات، وهو ما ينعكس إيجابيا على جاذبية البلاد وعلى قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذا المنتدى. فتونس التي شكّلت تاريخيا نقطة التقاء بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، تحاول اليوم استعادة هذا الدور من خلال الاقتصاد والتجارة والاستثمار. إنها لا تبحث فقط عن موقع جغرافي على الخريطة، بل عن موقع اقتصادي داخل التحولات الكبرى التي تشهدها القارة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنظيم المنتدى في حد ذاته، بل في ما يمكن أن ينتج عنه من شراكات ومشاريع وفرص عمل وأسواق جديدة. فالتظاهرات الاقتصادية تنتهي عادة بإسدال الستار على جلساتها، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بما يبقى بعدها من اتفاقيات وعلاقات ومبادرات قادرة على خلق الثروة وتحقيق النمو.
ولهذا يمكن النظر إلى منتدى االزليكافب باعتباره أكثر من مجرد موعد اقتصادي عابر. إنه رسالة تؤكد أن تونس اختارت أن تتجه نحو إفريقيا بثقة أكبر، وأن تراهن على التعاون الإقليمي باعتباره أحد مفاتيح التنمية خلال السنوات القادمة. وهو أيضا دليل على أن صورة تونس ومكانتها وثقة شركائها فيها ما تزال تمثل رأس مال معنويا ثمينا، يمكن تحويله إلى مكاسب اقتصادية حقيقية إذا أحسن استثماره وتوظيفه.
صناعة مكونات الطائرات عندما تصنع تونس أجنحة المستقبل
الصحافة اليوم: عادل البرينصي ليست كل الاستثمارات سواء. فهناك استثمارات ت…
