شريط “الأوديساب في عرضه التجاري بالقاعات التونسية: كيف تحوّل نص عمره ثلاثة آلاف عام إلى حدث سينمائي عالمي
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
ليست الأفلام التي تُحدث ضجة قبل عرضها قليلة، لكن النادر أن ينجح فيلم في الحفاظ على تلك الضجة بعد أن يشاهده النقاد والجمهور معا. هذا ما حققه فيلم االأوديساب للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، الذي لم يقدّم اقتباسا جديدا لملحمة هوميروس الشهيرة، بقدر ما أعاد كتابة واحدة من أقدم الحكايات الإنسانية بلغة السينما المعاصرة، مؤكدا أن الأساطير الكبرى لا تشيخ، وإنما تتغيّر طرق سردها.
منذ الإعلان عن المشروع، بدا واضحا أن “نولان” لا يبحث عن فيلم مغامرات تاريخي يزاحم إنتاجات هوليوود الضخمة، وإنما عن عمل يعيد الاعتبار إلى السينما بوصفها فنا قادرا على الجمع بين الإبهار البصري والعمق الفكري. ولذلك لم يكن غريبا أن يلتقي معظم النقاد، على اختلاف مدارسهم، عند فكرة واحدة مفادها أن االأوديساب ليس مجرد فيلم ناجح، بل تجربة سينمائية استثنائية تعيد تعريف معنى الفيلم الملحمي في القرن الحادي والعشرين.
الرحلة أهم من الوصول
أكثر ما استوقف النقاد هو الطريقة التي تعامل بها “نولان” مع شخصية أوديسيوس. فالبطل هنا لا يظهر باعتباره المحارب الذي لا يقهر، بل الإنسان الذي أنهكته الحروب، وأصبح يبحث عن ذاته بقدر بحثه عن وطنه.
لقد تحوّلت الرحلة الطويلة بين الجزر والبحار والوحوش إلى استعارة كبرى عن الإنسان المعاصر الذي يعبر عوالم مليئة بالمخاوف والاختبارات، وهو يحاول أن يحتفظ بما تبقى من إنسانيته. لذلك بدا الفيلم، في نظر كثيرين، أقرب إلى تأمل فلسفي في معنى العودة، أكثر منه سلسلة من المغامرات المتلاحقة.
ولعل هذه القراءة الإنسانية هي التي منحت الفيلم بعده العالمي، لأن قصة “أوديسيوس” لم تعد تخص الإغريق وحدهم، بل أصبحت تحكي عن ملايين البشر الذين غيّرتهم الحروب والهجرات والمنفى والانتظار.
صورة تستعيد سحر الشاشة الكبيرة
وإذا كان “نولان” قد اشتهر منذ سنوات برفضه المبالغة في المؤثرات الرقمية، فإن االأوديساب يذهب بهذا الخيار إلى أقصى حدوده. فقد جاءت الصورة السينمائية مهيبة دون أن تبدو مصطنعة، واعتمد الفيلم على مواقع تصوير طبيعية وتقنيات تصوير متقدمة جعلت البحر والعواصف والجبال تبدو شخصيات قائمة بذاتها.
ورأى نقاد السينما أن الفيلم يذكّر المشاهد بسبب وجود قاعات السينما أصلا؛ فهناك أعمال لا يمكن اختزالها في شاشة هاتف أو منصة رقمية، لأنها صُممت لتُشاهد على شاشة عملاقة حيث تتحول الصورة إلى تجربة حسية كاملة.
كما حظيت الموسيقى والإيقاع البصري بإشادة كبيرة، إذ لم يستخدما لإثارة الانفعال فقط، وإنما لصناعة إحساس دائم بالغموض والترقب، وكأن المتفرج يرافق أوديسيوس في رحلة لا يعرف أحد كيف ستنتهي.
حين تنتصر الحكاية على التكنولوجيا
يذكّر االأوديساب بأن السينما تبدأ من الحكاية. فكل الإمكانات التقنية التي وفرها نولان لم تكن سوى أدوات لخدمة قصة إنسانية كتبت قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وما تزال قادرة على إثارة الأسئلة ذاتها: ماذا يبقى من الإنسان بعد الحرب؟ وهل يستطيع الزمن أن يعيد إلينا ما فقدناه؟ وهل العودة إلى الوطن تعني حقا العودة إلى الحياة التي عرفناها؟
ربما لهذا السبب شعر كثير من النقاد بأن الفيلم يتحدث عن حاضر العالم أكثر مما يستعيد ماضيه، وأنه يقرأ أزمات الإنسان المعاصر من خلال مرآة الأسطورة.
سينما تثبت أن الكبار ما زالوا يصنعون المفاجأة
يؤكد النجاح النقدي والجماهيري لفيلم االأوديساب أن السينما ما تزال قادرة على إنتاج أعمال تتجاوز منطق الاستهلاك السريع. فقد استطاع كريستوفر نولان أن يبرهن، مرة أخرى، أن الجمهور لا يبحث فقط عن الانفجارات والمطاردات، بل عن قصة تمس وجدانه وتمنحه فرصة للتفكير.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا الفيلم لا تكمن في ميزانيته الضخمة أو في أسماء نجومه، وإنما في قدرته على إعادة الثقة في السينما الملحمية بوصفها فنا يجمع بين المتعة والمعرفة، وبين الخيال والتأمل. وهكذا تتحول االأوديساب من مجرد فيلم جديد إلى تذكير جميل بأن الأعمال العظيمة لا تُقاس بعمرها، وإنما بقدرتها الدائمة على أن تُروى من جديد، وكأنها ولدت اليوم.
مهرجان البحر برواد في دورة جديدة: رؤوف ماهر، نهى رحيم، والشاذلي الحاجي في الموعد
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي بين زخم المهرجانات الكبرى التي تستأثر بالأض…
