2026-07-21

الذكاء الإصطناعي رهان جديد تعمل تونس على كسبه

الصحافة اليوم :عادل البرينصي

في الماضي، كانت الدول تتنافس على امتلاك الأرض، ثم تنافست على امتلاك الثروات الطبيعية، ثم دخلت عصر المنافسة على المعرفة والتكنولوجيا. أما اليوم، فقد بدأ العالم يخوض معركة مختلفة تمامًا؛ معركة من يملك الخوارزمية، ومن يضع قواعدها، ومن يتحكم في البيانات التي تُغذّيها. إنها معركة السيادة الرقمية، وهي معركة لا تقل أهمية عن السيادة السياسية أو الاقتصادية، لأن من يملك مفاتيح الذكاء الاصطناعي، يمتلك جزءًا كبيرًا من القدرة على توجيه الاقتصاد والمجتمع، بل وحتى تشكيل الوعي الإنساني.

من هذا المنطلق، تكتسب مشاركة تونس في قمة شنغهاي للذكاء الاصطناعي أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي. فالدعوة إلى إرساء إطار عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي يقوم على الشفافية والإنصاف واحترام حقوق الإنسان ليست مجرد موقف مبدئي، بل تعبير عن إدراك متزايد بأن العالم يقف أمام ثورة تكنولوجية ستعيد رسم موازين القوة بين الدول، وأن من يتأخر عن بناء قدراته الرقمية سيجد نفسه مستهلكًا للتكنولوجيا لا صانعًا لها، وخاضعًا لقواعد يضعها الآخرون.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم بنية تحتية جديدة للحضارة الإنسانية. فهو لم يعد مجرد برنامج قادر على الإجابة عن الأسئلة أو كتابة النصوص، بل تحول إلى أداة لإدارة اقتصاديات الدول.

فالذكاء الاصطناعي ليس خطرًا في حد ذاته، لكنه يصبح خطرًا عندما تتحول الخوارزميات إلى سلطة غير مرئية، تعمل وفق مصالح من صممها، لا وفق مصالح من يستخدمها. فإذا كانت البيانات هي النفط الجديد، فإن الخوارزمية هي المصفاة التي تحدد كيف يُستثمر هذا النفط، ولصالح من.

ولهذا السبب، لم يعد الحديث عن الحوكمة الرقمية ترفًا فكريًا أو نقاشًا أكاديميًا. إنه قضية سيادة وطنية. فالدولة التي لا تمتلك استراتيجية واضحة للذكاء الاصطناعي ستجد نفسها مضطرة إلى استخدام منصات وخدمات وخوارزميات أجنبية، تتحكم في بيانات مواطنيها، وتؤثر في اقتصادها، وتعيد تشكيل فضائها الرقمي وفق أولويات لا تضعها هي.

ومن هنا تبدو رجاحة التوجه التونسي نحو تطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي ضمن خطة التنمية 2026 – 2030. فهذا الخيار لا يعكس مجرد رغبة في مواكبة التطور التكنولوجي، بل يمثل استثمارًا في مستقبل الدولة نفسها. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لن تُقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها، بل أيضًا بقدرتها على حماية بياناتها، وإنتاج تطبيقاتها، وإدارة فضائها الرقمي وفق قوانينها وقيمها.

غير أن بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي لا يتحقق بإعلان النوايا وحده. إنه مشروع وطني متكامل يبدأ بالتعليم قبل التكنولوجيا، وبالبحث العلمي قبل التطبيقات، وبالاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الأجهزة.

فلا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي من دون جامعات تنتج المعرفة، ولا عن سيادة رقمية من دون مراكز بحث قادرة على تطوير حلول محلية، ولا عن اقتصاد رقمي من دون شركات ناشئة تجد التمويل والتشريعات التي تسمح لها بالمنافسة.

وتونس تمتلك في هذا المجال رصيدًا مهمًا يمكن البناء عليه. فهي تزخر بآلاف المهندسين وخريجي الإعلامية والرياضيات والعلوم الدقيقة، كما أن كفاءاتها تحظى بتقدير عالمي في كبريات الشركات والمؤسسات البحثية. لكن هذه الثروة البشرية تحتاج إلى بيئة وطنية تحتضنها، وتربطها بالاقتصاد، وتحوّل المعرفة إلى قيمة مضافة.

وفي المقابل، فإن العالم نفسه يواجه تحديات غير مسبوقة مع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي. فهناك مخاوف متزايدة من تعميق الفجوة الرقمية بين الدول، ومن احتكار التكنولوجيا من قبل عدد محدود من الشركات العملاقة، ومن استخدام الخوارزميات في التضليل الإعلامي، والتأثير في الانتخابات، وانتهاك الخصوصية، والتمييز في اتخاذ القرارات، بل وحتى في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل تثير أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة.

ومن هنا، فإن دعوة تونس إلى حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي تقوم على الشفافية والإنصاف واحترام حقوق الإنسان تنسجم مع الحاجة إلى قواعد دولية تمنع تحول التكنولوجيا إلى أداة للهيمنة أو الاحتكار. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى في خدمة الإنسان، لا أن يصبح الإنسان تابعًا لقراراته أو رهينة لخوارزميات لا يعرف كيف تعمل.

لكن الحوكمة العالمية، مهما كانت ضرورية، لا تُغني عن الحوكمة الوطنية. فلكل دولة مسؤولية بناء قدراتها الذاتية، ووضع تشريعاتها، وتأهيل كوادرها، وحماية بياناتها، وتشجيع الابتكار المحلي. فالعالم لن ينتظر المترددين، والتكنولوجيا لا تمنح فرصًا متساوية لمن يتأخر في الاستعداد لها.

إن خطة تونس للفترة 2026 – 2030 تمثل فرصة تاريخية لوضع أسس اقتصاد رقمي حديث، إذا اقترنت باستثمارات حقيقية في البنية التحتية الرقمية، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتكوين الموارد البشرية، وربط الجامعات بالمؤسسات الاقتصادية، وتشجيع الشركات الناشئة على تطوير حلول تونسية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

إن الدول التي لا تفهم لغة الخوارزميات ستجد نفسها محكومة بها. أما الدول التي تستثمر في المعرفة، وتبني منظوماتها الوطنية، وتضع الإنسان في قلب التحول الرقمي، فهي وحدها التي ستملك حق المشاركة في كتابة مستقبل العالم، لا مجرد التكيف معه.

فالسيادة في العصر الرقمي لم تعد تُرسم على الخرائط فقط، بل تُكتب أيضًا في شيفرات البرمجيات، وتُصاغ في الخوارزميات، وتُحمى بالعقول التي تبتكرها.

‫شاهد أيضًا‬

الكفاءات‭ ‬التونسية ‭ ‬الــثــروة‭ ‬الـتـي‭ ‬لا‭ ‬تنضـب

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬عادل‭ ‬البرينصي‭ ‬ هناك‭ ‬دول‭ ‬تستخرج‭ ‬ثروتها‭ ‬من‭ ‬باطن‭ ‬الأرض،‭ ‬…