في إطار دعم التعاون التونسي الخليجي ملتقى اقتصادي يعدّ لشراكات وآفاق استثمار واعدة
الصحافة اليوم:عادل البرينصي
لم يعد التعاون الاقتصادي في عالم اليوم يقوم على المجاملات الدبلوماسية أو البيانات المشتركة، بل أصبح يقاس بحجم الاستثمارات التي تتحول إلى مصانع، وبعدد المشاريع التي تخلق فرص العمل، وبالقدرة على بناء شراكات تحقق المنفعة المتبادلة.
ومن هذا المنطلق، يكتسب الملتقى الاقتصادي التونسي الخليجي، الذي تحتضنه مدينة الحمامات، أهمية تتجاوز كونه تظاهرة اقتصادية عابرة، ليصبح مؤشرا على مرحلة جديدة تحاول تونس من خلالها إعادة تموقعها داخل فضائها العربي، وفتح صفحة أكثر حيوية مع اقتصادات الخليج التي أصبحت خلال العقود الأخيرة من أبرز مصادر الاستثمار والتمويل في المنطقة.
فالملتقى، الذي يجمع مستثمرين ورجال أعمال ومؤسسات مالية وممثلين عن البنوك وصناديق الاستثمار ودبلوماسيين من تونس ودول الخليج، لا يقتصر على عرض فرص الاستثمار، بل يبعث برسالة مفادها أن الاقتصاد التونسي يبحث عن شراكات تقوم على المصالح المشتركة، وتنتقل من منطق التمويل الظرفي إلى منطق الاستثمار المنتج طويل الأمد.
لقد أدركت تونس، كما أدركت دول كثيرة، أن التنمية لا تُبنى بالاعتماد على شريك واحد. فالاقتصاد الذي يربط مستقبله بسوق واحدة أو بمصدر تمويل واحد يبقى اقتصادا معرضا للاهتزاز كلما تغيرت الظروف السياسية أو الاقتصادية. ولذلك يبدو الانفتاح على دول الخليج خيارا استراتيجيا يهدف إلى تنويع الشركاء وتوسيع مصادر الاستثمار، والاستفادة من فوائض مالية تبحث عن مشاريع مجدية ومستقرة في منطقة تتمتع بموقع جغرافي متميز وكفاءات بشرية عالية.
وليس خافيا أن دول الخليج أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعبا اقتصاديا عالميا، ولم تعد تكتفي بتصدير الطاقة، بل تحولت إلى قوة استثمارية ضخمة تستثمر في التكنولوجيا، والصناعة، والسياحة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي. وهي تبحث اليوم عن أسواق جديدة تستطيع أن تحقق فيها قيمة مضافة، وتؤسس لشراكات طويلة المدى، وهو ما يمنح تونس فرصة حقيقية إذا أحسنت تقديم إمكانياتها وإزالة العراقيل التي تعيق الاستثمار.
ويأتي هذا الملتقى ليؤكد أن العلاقة بين تونس والخليج لا ينبغي أن تظل محصورة في المبادلات التجارية التقليدية، وإنما يمكن أن تتحول إلى شراكة اقتصادية متكاملة تشمل الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، والتمويل، وريادة الأعمال، والصناعات الحديثة، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر، والسياحة، والخدمات الصحية والتعليمية.
ومن بين أهم الرسائل التي يحملها هذا الحدث الاقتصادي، الاهتمام بالتونسيين المقيمين بالخارج. فهذه الفئة لا تمثل فقط موردا مهما من موارد العملة الصعبة عبر التحويلات المالية، بل تمثل أيضا طاقة استثمارية وخبرة مهنية وشبكة علاقات اقتصادية واسعة يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للتنمية إذا توفرت لها الآليات المناسبة.
إن تخصيص برامج للتمويل العقاري والاستثماري لفائدة أبناء الجالية، وتقديم حلول جديدة لتملك السكن والاستثمار، يعكس وعيا متزايدا بأهمية ربط التونسيين بالخارج بمشاريع التنمية الوطنية، ليس باعتبارهم مجرد محولين للأموال، وإنما باعتبارهم شركاء في بناء الاقتصاد الوطني.
كما أن الإعلان عن آليات تمويل جديدة للمشاريع التجارية والصناعية يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، لأن أكبر مشكلة تواجه المستثمر ليست دائما نقص الأفكار، وإنما صعوبة الوصول إلى التمويل. وكلما تنوعت أدوات التمويل، وازدادت مرونتها، ارتفعت قدرة المؤسسات على النمو وخلق الثروة وفرص العمل.
لكن أهمية هذا الملتقى لا تكمن فقط في ما قد يفضي إليه من اتفاقيات، بل في طبيعة الرؤية التي يعكسها. فالتعاون الاقتصادي الناجح لا يقوم على انتظار رؤوس الأموال فحسب، وإنما على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وإدارة فعالة، وإجراءات مبسطة، وقضاء اقتصادي سريع، وإدارة رقمية تقلص التعقيدات الإدارية التي طالما اشتكى منها المستثمرون.
فالاستثمار يبحث دائما عن الاستقرار والوضوح والثقة. وهذه العناصر لا تُمنح بالشعارات، وإنما تبنى عبر إصلاحات متواصلة تجعل المستثمر المحلي والأجنبي يشعر بأن مشروعه يجد من يحميه ويواكبه، لا من يعطله.
وفي المقابل، فإن تونس تمتلك من المقومات ما يجعلها شريكا جاذبا. فهي تتوسط الفضاءين العربي والأوروبي، وتتمتع باتفاقيات تجارية متعددة، وتمتلك كفاءات بشرية عالية في الهندسة والطب وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الميكانيكية والإلكترونية، إضافة إلى إمكانيات كبيرة في الفلاحة، والطاقات المتجددة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي. وهذه العناصر، إذا ما اقترنت بالتمويل الخليجي والخبرة الاستثمارية، يمكن أن تنتج مشاريع ذات مردودية عالية للطرفين.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى التعاون التونسي الخليجي باعتباره علاقة مانح ومتلق، بل باعتباره شراكة بين اقتصادين يكمل أحدهما الآخر. فالخليج يمتلك رؤوس الأموال والخبرة في إدارة الاستثمارات الكبرى، بينما تمتلك تونس الموقع الاستراتيجي، والموارد البشرية، والقدرة على النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية، وهو ما يجعل التكامل بين الطرفين أكثر جدوى من أي علاقة اقتصادية قائمة على المصالح الظرفية.
ومن اللافت أيضا أن الملتقى يربط بين تونس والخليج وأوروبا في إطار رؤية ثلاثية، وهي رؤية تنسجم مع التحولات الاقتصادية العالمية التي أصبحت تقوم على شبكات إقليمية مترابطة، لا على علاقات ثنائية معزولة. ويمكن لتونس أن تستثمر هذا الموقع لتكون منصة للأعمال والاستثمار تربط بين رؤوس الأموال الخليجية والأسواق الإفريقية والأوروبية.
الملتقى الاقتصادي التونسي الخليجي ليس مجرد مناسبة لتبادل بطاقات التعارف بين رجال الأعمال، بل يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية العربية، عنوانها الاستثمار المنتج، والتكامل الإقليمي، والشراكة القائمة على المصالح المتبادلة. وإذا أحسنت تونس استثمار هذه الفرصة، فإنها لن تكسب رؤوس أموال جديدة فحسب، بل ستكسب أيضا موقعا اقتصاديا أكثر تأثيرا داخل محيطها العربي، لتتحول من سوق تبحث عن المستثمر إلى شريك يملك من المقومات ما يجعله جزءا من صناعة مستقبل اقتصادي أكثر توازنا وازدهارا.
حين يصبح الإعلام سؤالًا عن المجتمع قراءة في كتاب «الإعلام وقضايا الاندماج والتنوع في العالم العربي»
الصحافة اليوم:عادل البرينصي لم يعد السؤال الذي يواجه الإعلام العربي اليوم هو كيف ينقل الخب…
