مقاربة استباقية في متابعة وضعية السوق الأزمة التي لا تقع..هي أعظم نجاح للدولة
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
هناك نوعان من إدارة الأسواق. الأولى تنتظر الأزمة حتى تطرق الأبواب، فتبدأ بعدها اجتماعات الطوارئ، وحملات المراقبة، والبحث عن المذنبين. أما الثانية، وهي إدارة الدول التي تفكر بعقل التخطيط لا بردود الأفعال، فتتعامل مع الأزمة قبل أن تولد، وتقرأ المؤشرات قبل أن تتحول إلى طوابير، وتراقب حركة السوق قبل أن تصبح الأسعار خبرا يوميا يثقل كاهل المواطن.
في هذا السياق تندرج دعوة وزير التجارة وتنمية الصادرات، سمير عبيد، إلى اعتماد مقاربة استباقية في متابعة وضعية السوق، تقوم على رصد المؤشرات واتخاذ الإجراءات اللازمة قبل أن تنعكس المتغيرات على مستويات التزويد والأسعار. فهذه الرؤية لا تعبر فقط عن أسلوب إداري جديد، وإنما تعكس تحولا في فلسفة إدارة السوق، من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب.
فالاقتصاد، مثل الطب، لا ينتظر ظهور المرض حتى يبدأ العلاج. والطبيب الناجح هو الذي يعتمد على الوقاية قبل الدواء، والدولة الناجحة هي التي تمنع اختلال السوق قبل أن تتحول الندرة إلى أزمة، أو يتحول الارتفاع المحدود في الأسعار إلى موجة تضخم تمس القدرة الشرائية للمواطن.
وليس خافيا أن الأسواق التونسية، كما هو الحال في كثير من دول العالم، أصبحت أكثر حساسية للتغيرات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية. فموسم جفاف واحد قد يؤثر في إنتاج الخضر والغلال، واضطراب في الأسواق العالمية قد يرفع أسعار المواد الأولية، وتعطل في سلاسل التوزيع قد يؤدي إلى نقص بعض المنتجات الأساسية، بينما يكفي انتشار إشاعة حول ندرة مادة معينة حتى تنطلق موجة من اللهفة والشراء المفرط، فتتفاقم الأزمة بفعل السلوك الاستهلاكي أكثر مما تتفاقم بفعل نقص الإنتاج.
من هنا، فإن أهمية الاستعداد المبكر لا تكمن فقط في توفير السلع، بل في حماية الاستقرار النفسي للمستهلك. فالمواطن عندما يثق بأن الدولة تتابع السوق وتملك مخزونا كافيا وتتدخل في الوقت المناسب، لا يشعر بالحاجة إلى التخزين المفرط أو الشراء بدافع الخوف. أما عندما تغيب هذه الثقة، فإن السوق نفسها تصبح ضحية للهلع، لأن الخوف يستهلك أحيانا أكثر مما يستهلكه الاحتياج الحقيقي.
ولهذا شدد وزير التجارة على ضرورة متابعة منظومات الإنتاج، والقطاعات الصناعية، ومسالك التوزيع، والمخزونات، والاعتماد على معطيات دقيقة ومحينة. فالسوق الحديثة لم تعد تدار بالتقديرات أو الانطباعات، وإنما بالأرقام والتحليل والتوقع. والبيانات أصبحت اليوم سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن السلع الغذائية نفسها، لأنها تسمح باتخاذ القرار في الوقت المناسب.
كما أن الاستعداد لمواسم الذروة يمثل أحد أهم عناصر نجاح السياسة التجارية. فتونس تعرف، مثل غيرها من الدول، فترات يرتفع فيها الاستهلاك بشكل كبير، مثل شهر رمضان، والأعياد، ومواسم العودة المدرسية، والصيف، والمواسم الفلاحية. وهذه المحطات ليست مفاجئة، بل تتكرر كل عام، ولذلك فإن أي اضطراب خلالها لا يمكن تفسيره بكونه حدثا غير متوقع، بل هو في الغالب نتيجة ضعف التخطيط أو نقص التنسيق أو التأخر في اتخاذ القرار.
فالتحضير لهذه المواسم يبدأ قبل أشهر، من خلال تقدير حجم الطلب، وتشجيع الإنتاج، وتأمين المخزونات، ومراقبة مسالك التوزيع، والاستعداد اللوجستي لنقل السلع بين الجهات، مع تشديد الرقابة على الاحتكار والمضاربة. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح السوق أكثر قدرة على امتصاص الضغوط دون أن تنعكس مباشرة على الأسعار.
ومن الجوانب المهمة التي تضمنها توجه وزارة التجارة، التأكيد على تعزيز التنسيق بين المصالح المركزية والجهوية، وبين مختلف الوزارات والهياكل المحلية. وهذه نقطة أساسية، لأن السوق ليست ملفا يخص وزارة واحدة. فهي ترتبط بالإنتاج الفلاحي، والنقل، والطاقة، والصناعة، والداخلية، والمالية، والسلطات المحلية. وكل خلل في حلقة من هذه الحلقات قد يؤثر في بقية المنظومة.
كما أن خصوصية كل جهة تفرض اعتماد مقاربة مرنة. فما تحتاجه ولاية فلاحية يختلف عما تحتاجه ولاية صناعية أو سياحية. ولذلك فإن القرار المركزي يكتسب نجاعته عندما يستند إلى معطيات ميدانية دقيقة، ينقلها المديرون الجهويون بصورة مستمرة، بما يسمح بتوجيه التدخلات حسب احتياجات كل منطقة.
غير أن استقرار السوق لا يعتمد على الدولة وحدها، بل يحتاج أيضا إلى شراكة مع المنتجين والتجار والموزعين والمستهلكين. فالمنتج مطالب بالحفاظ على نسق الإنتاج، والتاجر مطالب باحترام قواعد المنافسة وعدم استغلال الأزمات لتحقيق أرباح غير مشروعة، والمستهلك مدعو إلى ترشيد الاستهلاك وعدم الانسياق وراء الإشاعات التي تصنع أحيانا أزمات وهمية.
وفي عالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة، وتقلبات في أسعار الطاقة والمواد الأولية، وحروبا تؤثر في التجارة الدولية، أصبحت القدرة على التوقع جزءا من الأمن الاقتصادي للدول. ولم يعد النجاح يقاس بسرعة التدخل بعد وقوع الأزمة، بل بمدى القدرة على منعها من الأساس.
إن الحفاظ على استقرار السوق ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل هو ركيزة للاستقرار الاجتماعي. فحين تتوفر المواد الأساسية، وتظل الأسعار في حدودها المعقولة، يشعر المواطن بالأمان، وتتعزز ثقته في مؤسسات الدولة، ويستمر النشاط الاقتصادي دون اضطرابات.
لذلك، فإن أعظم إنجاز قد تحققه أي حكومة ليس في عدد الأزمات التي أعلنت انتصارها عليها، بل في عدد الأزمات التي لم يشعر بها المواطن أصلا، لأنها أُديرت قبل أن تولد. فالأزمة التي لا تقع، هي في النهاية، أعظم نجاح للدولة، لأنها دليل على أن التخطيط سبق الطوارئ، وأن اليقظة سبقت الندم، وأن إدارة السوق أصبحت تُبنى على استشراف المستقبل، لا على مطاردة الأزمات بعد وقوعها.
في إطار دعم التعاون التونسي الخليجي ملتقى اقتصادي يعدّ لشراكات وآفاق استثمار واعدة
الصحافة اليوم:عادل البرينصي لم يعد التعاون الاقتصادي في عالم اليوم …
