الكفاءات التونسية الــثــروة الـتـي لا تنضـب
الصحافة اليوم :عادل البرينصي
هناك دول تستخرج ثروتها من باطن الأرض، وأخرى تستخرجها من عقول أبنائها.
وتونس، على الرغم من محدودية مواردها الطبيعية، تملك ثروة ما تزال أكبر من أن تُقاس بالأرقام؛ إنها ثروة الإنسان التونسي. ذلك المهندس الذي يدير مشاريع عالمية، والطبيب الذي يقود فرقاً بحثية، والباحث الذي يطور خوارزمية في مختبر أوروبي، ورائد الأعمال الذي يؤسس شركة ناشئة في إحدى العواصم التكنولوجية الكبرى. هذه الكفاءات ليست مجرد نجاحات فردية، بل هي جزء من رأس المال الوطني، حتى وإن كانت تعمل خارج الحدود.
ومن هنا تتجاوز أهمية الهاكاثون الخاص بالذكاء الاصطناعي، الذي انطلق في تونس في إطار اشهر الكفاءات التونسية بالخارجب، حدود كونه مسابقة تقنية أو تظاهرة شبابية. إنه إعلان عن تحول في طريقة التفكير في التنمية نفسها؛ من اقتصاد يقوم على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يقوم على المعرفة، ومن إدارة الكفاءات إلى الاستثمار فيها.
لقد تغيّر العالم بسرعة تفوق قدرة كثير من الدول على استيعاب هذا التغيير. فالذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً علمياً، ولا مشروعاً للمستقبل البعيد، بل أصبح محرّكاً رئيسياً للاقتصاد العالمي، وعنصراً حاسماً في التنافسية والإنتاجية والسيادة الرقمية. ومن يتأخر في هذا السباق، لن يخسر فقط سوق التكنولوجيا، بل سيخسر أيضاً جزءاً من قدرته على النمو وخلق الثروة.
ولذلك فإن تنظيم هاكاثون يجمع مائة وخمسين شاب وخمسين خبيراً من تونس والخارج ليس مجرد نشاط ظرفي، بل هو محاولة لبناء منظومة تربط الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، والباحث برائد الأعمال، والكفاءة المقيمة في الخارج بالشاب الذي يبحث عن فرصة داخل الوطن.
وهنا تكمن الفكرة الجوهرية.
فالكفاءات التونسية المهاجرة ليست خسارة نهائية كما يُصوَّر أحياناً، إذا نجحت الدولة في تحويلها إلى شبكة وطنية للمعرفة والاستثمار والتكوين. فالعالم اليوم لم يعد يقيس الانتماء بالجغرافيا وحدها، بل بالشبكات المهنية والعلمية والاقتصادية. ويمكن للباحث الذي يعمل في مونتريال، أو المهندس المقيم في ميلانو، أو الخبير الموجود في دبي، أن يكون شريكا يوميّا في مشروع داخل تونس إذا توفرت المنصات والآليات المناسبة.
إن الرهان الحقيقي ليس إعادة جميع الكفاءات إلى البلاد، فذلك ليس واقعياً في عالم مفتوح، وإنما بناء علاقة مؤسساتية دائمة معها. فالدول التي نجحت في الاستفادة من جالياتها العلمية لم تفعل ذلك عبر الخطابات العاطفية، وإنما عبر سياسات واضحة، وحوافز، وبرامج بحث مشتركة، واستثمارات، وتمويل للشركات الناشئة، ونقل للخبرات.
وتونس تمتلك كل المقومات التي تجعلها قادرة على النجاح في هذا المسار.
فالجامعات التونسية ما تزال تخرّج آلاف المهندسين والمختصين في الإعلامية والرياضيات والعلوم الدقيقة. والشركات الناشئة التونسية أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها قادرة على المنافسة في مجالات البرمجيات، والتكنولوجيا المالية، والصحة الرقمية، والتقنيات الزراعية، والذكاء الاصطناعي.
لكن هذه الإمكانات تبقى محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى سياسة دولة.
فالتحول الرقمي لا يعني رقمنة بعض الخدمات الإدارية، ولا إنشاء منصات إلكترونية متفرقة. إنه مشروع حضاري يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة، وبين الجامعة والسوق، وبين الدولة والاقتصاد.
الإدارة الذكية تختصر الزمن، وتخفّض الكلفة، وتحدّ من البيروقراطية، وتعزز الشفافية. والصناعة الذكية ترفع الإنتاجية وتزيد القدرة التنافسية. والزراعة الذكية تمكّن من ترشيد استهلاك المياه وتحسين الإنتاج. أما الصحة الرقمية فتقرّب الخدمات من المواطن وترفع جودة الرعاية. والذكاء الاصطناعي أصبح اليوم أداة جامعة لكل هذه القطاعات.
ولهذا فإن الاستثمار في التكنولوجيا لم يعد بنداً إضافيّا في الميزانية، بل أصبح استثماراً في الأمن الاقتصادي للدولة.
غير أن النجاح في هذا المسار يقتضي تجاوز عدد من التحديات.
فأول هذه التحديات هو التمويل. فالكثير من الأفكار المبتكرة تتوقف عند حدود المسابقات بسبب ضعف الاستثمار في رأس المال المخاطر وصعوبة النفاذ إلى التمويل.
أما التحدي الثاني فيتمثل في البيئة التشريعية. فالمبتكر يحتاج إلى قوانين مرنة تحمي الملكية الفكرية، وتشجع الاستثمار، وتواكب سرعة تطور التكنولوجيا، لا أن تبقى أسيرة إجراءات صيغت لعالم مختلف.
ويبقى التحدي الثالث هو استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها. فالذكاء الاصطناعي لا يصنعه الحاسوب، بل يصنعه الإنسان. وإذا لم يشعر الباحث والمهندس ورائد الأعمال بأن بلده يمنحه فرصة حقيقية للإبداع والنجاح، فإن الأسواق العالمية ستظل أكثر جاذبية.
ولهذا فإن مبادرة اشهر الكفاءات التونسية بالخارجب تكتسب أهمية استراتيجية، لأنها تنقل العلاقة مع الجالية من منطق الاحتفاء الرمزي إلى منطق الشراكة الإنتاجية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد تكريم الكفاءات، وإنما إدماجها في مشاريع التنمية، وفي البحث العلمي، وفي الاستثمار، وفي صياغة السياسات العمومية المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول الصغيرة تستطيع أن تحقق قفزات كبرى إذا أحسنت استثمار عقولها. ولم تكن سنغافورة أو إستونيا أو فنلندا أغنى من تونس في الموارد الطبيعية، لكنها جعلت المعرفة أساساً للنمو، والتكنولوجيا محرّكاً للاقتصاد، والإنسان محوراً للتنمية وتونس تملك بدورها فرصة مماثلة.
فالتحول الرقمي ليس هدفاً في ذاته، بل وسيلة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية، وإدارة أكثر كفاءة، وتعليم أكثر جودة، وخدمات أكثر عدالة. والذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج حاسوبي، بل هو لغة الاقتصاد العالمي الجديد، ومن لا يتقن هذه اللغة سيجد نفسه على هامش المستقبل.
إن الهاكاثون الذي انطلق في تونس قد ينتهي بعد أيام، لكن الرسالة التي يحملها يجب أن تستمر لسنوات: مستقبل البلاد لن يُبنى فقط بما تختزنه الأرض من موارد، بل بما تختزنه العقول من أفكار. وحين تنجح تونس في وصل كفاءاتها داخل الوطن وخارجه بشبكة وطنية للإبداع والابتكار، فإنها لن تستثمر في التكنولوجيا فحسب، بل ستستثمر في أثمن رأس مال تملكه… الإنسان التونسي.
الدبلوماسية الاقتصادية آفاق جديدة لاكتساح الأسواق
الصحافة اليوم: عادل البرينصي هناك نوعان من السفارات. سفارة تكتفي برفع…
