2026-07-20

تزامنا‭ ‬مع‭ ‬موجة‭ ‬الحرّ‭ ‬القياسية‭:‬ القيظ‭ ‬يربك‭ ‬نسق‭ ‬الحياة‭ ‬وراحة‭ ‬العمال‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬صحّية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

تعيش‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشدّ‭ ‬موجات‭ ‬الحرّ‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬سجلت‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬تجاوزت‭ ‬المعدلات‭ ‬الموسمية‭ ‬بشكل‭ ‬لافت‭ ‬اذ‭ ‬بلغت‭ ‬خلال‭ ‬اليومين‭ ‬المنقضيين‭ ‬47‭ ‬درجة‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬المناطق،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ولايات‭ ‬جندوبة‭ ‬والقيروان‭ ‬وسيدي‭ ‬بوزيد‭ ‬والقصرين‭ ‬وقفصة‭ ‬وتوزر‭ ‬وقبلي‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬ولايات‭ ‬الجنوب‭ ‬الغربي‭. ‬وقد‭ ‬تجاوزت‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬عتبة‭ ‬الـ47‭ ‬والـ48‭ ‬درجة‭ ‬مائوية،‭ ‬لتتحول‭ ‬موجة‭ ‬القيظ‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬مناخية‭ ‬استثنائية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الظواهر‭ ‬الطبيعية‭ ‬القصوى‭ ‬مثل‭ ‬الفيضانات‭ ‬والعواصف،‭ ‬لما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬لصحة‭ ‬الإنسان‭ ‬وسلامته‭.‬

ولم‭ ‬تعد‭ ‬موجات‭ ‬الحرّ‭ ‬مجرد‭ ‬ظرف‭ ‬مناخي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تفرض‭ ‬نفسها‭ ‬كعامل‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اضطرت‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬نسق‭ ‬حياتهم‭ ‬اليومية‭ ‬والتقليص‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬العمل،‭ ‬بل‭ ‬والتوقف‭ ‬الكلي‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة،‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬أرواحهم‭ ‬وتفاديًا‭ ‬لمخاطر‭ ‬الإجهاد‭ ‬الحراري‭ ‬وضربات‭ ‬الشمس‭.‬

ويبرز‭ ‬قطاع‭ ‬البناء‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثرًا‭ ‬بهذه‭ ‬الظروف،‭ ‬إذ‭ ‬تتوقف‭ ‬الأشغال‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الورشات‭ ‬مع‭ ‬حلول‭ ‬منتصف‭ ‬النهار،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الأرضيات‭ ‬المعدنية‭ ‬والأسطح‭ ‬الخرسانية‭ ‬مصدرًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬للحرارة‭. ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬مواصلة‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬تتجاوز‭ ‬45‭ ‬درجة‭ ‬مائوية‭ ‬تمثل‭ ‬مخاطرة‭ ‬حقيقية،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬المجهود‭ ‬البدني‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تتطلبه‭ ‬أعمال‭ ‬البناء‭ ‬والحفر‭ ‬والرفع‭ ‬وغيرها‭.‬

ولا‭ ‬يختلف‭ ‬الوضع‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الفلاحي،‭ ‬حيث‭ ‬اضطر‭ ‬الفلاحون‭ ‬والعمال‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬برمجة‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬لتقتصر‭ ‬على‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الصباح‭ ‬أو‭ ‬قبيل‭ ‬غروب‭ ‬الشمس،‭ ‬فيما‭ ‬تتوقف‭ ‬أعمال‭ ‬الجني‭ ‬والسقي‭ ‬والغراسة‭ ‬وصيانة‭ ‬الأشجار‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭ ‬الظهيرة‭. ‬كما‭ ‬تزداد‭ ‬معاناة‭ ‬مربّي‭ ‬الماشية‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مطالبين‭ ‬بتوفير‭ ‬كميات‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬مظللة‭ ‬لحماية‭ ‬الحيوانات‭ ‬من‭ ‬الإجهاد‭ ‬الحراري‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬موجة‭ ‬الحر‭ ‬على‭ ‬البناء‭ ‬والفلاحة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬المهن‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬في‭ ‬الفضاءات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬عمال‭ ‬البلديات‭ ‬المكلفين‭ ‬بالنظافة‭ ‬ورفع‭ ‬الفضلات‭ ‬وأعوان‭ ‬صيانة‭ ‬الطرقات‭ ‬وعمال‭ ‬تعبيد‭ ‬الطرق‭ ‬والجسور‭ ‬وسائقي‭ ‬الشاحنات‭ ‬الثقيلة‭ ‬وأعوان‭ ‬البريد‭ ‬والتوزيع‭ ‬وعمال‭ ‬توصيل‭ ‬الطلبات‭ ‬وحراس‭ ‬الحضائر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬باعة‭ ‬الأسواق‭ ‬الأسبوعية‭ ‬والباعة‭ ‬المنتصبين‭ ‬وحتى‭ ‬أعوان‭ ‬الحماية‭ ‬المدنية‭ ‬والأمن‭ ‬الذين‭ ‬يواصلون‭ ‬أداء‭ ‬واجبهم‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬مناخية‭ ‬قاسية‭.‬

كما‭ ‬تواجه‭ ‬فرق‭ ‬صيانة‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والمياه‭ ‬والاتصالات‭ ‬ظروفًا‭ ‬صعبة‭ ‬أثناء‭ ‬التدخلات‭ ‬الميدانية،‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬الفنيين‭ ‬المكلفين‭ ‬بإصلاح‭ ‬الأعطال‭ ‬على‭ ‬أعمدة‭ ‬الكهرباء‭ ‬أو‭ ‬فوق‭ ‬أسطح‭ ‬المباني،‭ ‬وهي‭ ‬أعمال‭ ‬يصبح‭ ‬إنجازها‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬مع‭ ‬الارتفاع‭ ‬القياسي‭ ‬لدرجات‭ ‬الحرارة‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬أن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬موسمي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬خطرًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬متكررًا‭ ‬يفرض‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬بنفس‭ ‬الجدية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفيضانات‭ ‬أو‭ ‬التقلبات‭ ‬الجوية‭ ‬العنيفة‭.‬

‭ ‬فكما‭ ‬تتخذ‭ ‬السلطات‭ ‬إجراءات‭ ‬استثنائية‭ ‬عند‭ ‬نزول‭ ‬الأمطار‭ ‬الغزيرة‭ ‬أو‭ ‬حدوث‭ ‬السيول،‭ ‬فإن‭ ‬موجات‭ ‬الحر‭ ‬تستوجب‭ ‬بدورها‭ ‬خططًا‭ ‬وقائية‭ ‬واضحة‭ ‬لحماية‭ ‬العاملين،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬اليدوي‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يرى‭ ‬متابعون‭ ‬للشأن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬أصبحت‭ ‬ملحة‭ ‬لوضع‭ ‬بروتوكول‭ ‬وطني‭ ‬خاص‭ ‬بموجات‭ ‬الحر،‭ ‬يتضمن‭ ‬تعليق‭ ‬أو‭ ‬تقليص‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الذروة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬التوقيت‭ ‬الصيفي‭ ‬للمهن‭ ‬الشاقة،‭ ‬مع‭ ‬إلزام‭ ‬أصحاب‭ ‬المؤسسات‭ ‬والورشات‭ ‬بتوفير‭ ‬مياه‭ ‬الشرب‭ ‬الباردة‭ ‬وأماكن‭ ‬للراحة‭ ‬المظللة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإسعاف‭ ‬الأولي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تكثيف‭ ‬الرقابة‭ ‬للتثبت‭ ‬من‭ ‬احترام‭ ‬شروط‭ ‬السلامة‭ ‬المهنية‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬للسلطات‭ ‬الجهوية‭ ‬والمحلية‭ ‬إصدار‭ ‬قرارات‭ ‬ظرفية‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬خصوصية‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬حسب‭ ‬مستوى‭ ‬الحرارة‭ ‬المسجل،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬حماية‭ ‬العمال‭ ‬دون‭ ‬الإضرار‭ ‬بنسق‭ ‬الإنتاج،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬أغلب‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬مرتفعة‭ ‬أصبحت‭ ‬تعتمد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬الوقائية‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف‭.‬

ويحذّر‭ ‬الأطباء‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التعرض‭ ‬المباشر‭ ‬للشمس‭ ‬لساعات‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الجفاف‭ ‬الحاد‭ ‬وضربات‭ ‬الشمس‭ ‬وفقدان‭ ‬الوعي‭ ‬واضطرابات‭ ‬القلب‭ ‬والدورة‭ ‬الدموية،‭ ‬وهي‭ ‬حالات‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قاتلة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬التدخل‭ ‬بسرعة‭. ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فترات‭ ‬الراحة‭ ‬أثناء‭ ‬العمل‭ ‬ترفًا‭ ‬أو‭ ‬امتيازًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ضرورة‭ ‬صحية‭ ‬تفرضها‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬الاستثنائية‭.‬

ومع‭ ‬تواتر‭ ‬موجات‭ ‬الحرّ‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬آخر‭ ‬بفعل‭ ‬التغيرات‭ ‬المناخية،‭ ‬تبدو‭ ‬تونس‭ ‬مطالبة‭ ‬بإعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬تنظيم‭ ‬العمل‭ ‬بالمهن‭ ‬المكشوفة‭ ‬وإدماج‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرارة‭ ‬ضمن‭ ‬سياسات‭ ‬السلامة‭ ‬المهنية،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬إلى‭ ‬مخاطرة‭ ‬يومية‭ ‬تهدد‭ ‬حياة‭ ‬آلاف‭ ‬العمال‭. ‬فالوقاية‭ ‬اليوم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬توصية،‭ ‬وإنما‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬تتقاسمها‭ ‬الدولة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وأصحاب‭ ‬الأعمال،‭ ‬حمايةً‭ ‬للإنسان‭ ‬باعتباره‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الطريق‭ ‬السّيارة‭ ‬تونس‭ ‬ذ‭ ‬جلمة‭ ‬تدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬الإنجاز‭ ‬الحاسم الإستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الطرقية‭ ‬ودفع‭ ‬التنمية

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي يشهد‭ ‬مشروع‭ ‬الطريق‭ ‬السيارة‭ ‬تونس‭ ‬ذ‭ ‬جلمة،‭ ‬أحد‭…