تزامنا مع موجة الحرّ القياسية: القيظ يربك نسق الحياة وراحة العمال تتحول إلى ضرورة صحّية
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
تعيش تونس خلال هذه الأيام واحدة من أشدّ موجات الحرّ التي عرفتها خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت درجات الحرارة مستويات قياسية تجاوزت المعدلات الموسمية بشكل لافت اذ بلغت خلال اليومين المنقضيين 47 درجة في عديد المناطق، خاصة في ولايات جندوبة والقيروان وسيدي بوزيد والقصرين وقفصة وتوزر وقبلي وعدد من ولايات الجنوب الغربي. وقد تجاوزت الحرارة في بعض المناطق عتبة الـ47 والـ48 درجة مائوية، لتتحول موجة القيظ إلى ظاهرة مناخية استثنائية لا تقل خطورة عن بقية الظواهر الطبيعية القصوى مثل الفيضانات والعواصف، لما تسببه من تهديد مباشر لصحة الإنسان وسلامته.
ولم تعد موجات الحرّ مجرد ظرف مناخي عابر، بل أصبحت تفرض نفسها كعامل مؤثر في الدورة الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن اضطرت فئات واسعة من العاملين إلى تغيير نسق حياتهم اليومية والتقليص من ساعات العمل، بل والتوقف الكلي خلال فترات الذروة، حفاظًا على أرواحهم وتفاديًا لمخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
ويبرز قطاع البناء في مقدمة الأنشطة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف، إذ تتوقف الأشغال في عدد كبير من الورشات مع حلول منتصف النهار، بعد أن تصبح الأرضيات المعدنية والأسطح الخرسانية مصدرًا إضافيًا للحرارة. العاملون في هذا القطاع يرون أن مواصلة العمل في درجات حرارة تتجاوز 45 درجة مائوية تمثل مخاطرة حقيقية، خاصة مع المجهود البدني الكبير الذي تتطلبه أعمال البناء والحفر والرفع وغيرها.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في القطاع الفلاحي، حيث اضطر الفلاحون والعمال إلى إعادة برمجة مختلف الأنشطة لتقتصر على الساعات الأولى من الصباح أو قبيل غروب الشمس، فيما تتوقف أعمال الجني والسقي والغراسة وصيانة الأشجار خلال ساعات الظهيرة. كما تزداد معاناة مربّي الماشية الذين يجدون أنفسهم مطالبين بتوفير كميات إضافية من المياه والبحث عن أماكن مظللة لحماية الحيوانات من الإجهاد الحراري.
ولا تقتصر تداعيات موجة الحر على البناء والفلاحة فقط، بل تمتد إلى عشرات المهن التي تمارس في الفضاءات المفتوحة، على غرار عمال البلديات المكلفين بالنظافة ورفع الفضلات وأعوان صيانة الطرقات وعمال تعبيد الطرق والجسور وسائقي الشاحنات الثقيلة وأعوان البريد والتوزيع وعمال توصيل الطلبات وحراس الحضائر، إضافة إلى باعة الأسواق الأسبوعية والباعة المنتصبين وحتى أعوان الحماية المدنية والأمن الذين يواصلون أداء واجبهم في ظروف مناخية قاسية.
كما تواجه فرق صيانة شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات ظروفًا صعبة أثناء التدخلات الميدانية، شأنها شأن الفنيين المكلفين بإصلاح الأعطال على أعمدة الكهرباء أو فوق أسطح المباني، وهي أعمال يصبح إنجازها أكثر خطورة مع الارتفاع القياسي لدرجات الحرارة.
وتكشف هذه الوضعية أن موجات الحر لم تعد مجرد حدث موسمي، بل أصبحت خطرًا طبيعيًا متكررًا يفرض التعامل معه بنفس الجدية التي يتم بها التعامل مع الفيضانات أو التقلبات الجوية العنيفة.
فكما تتخذ السلطات إجراءات استثنائية عند نزول الأمطار الغزيرة أو حدوث السيول، فإن موجات الحر تستوجب بدورها خططًا وقائية واضحة لحماية العاملين، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمل اليدوي في الهواء الطلق.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون للشأن الاجتماعي أن الحاجة أصبحت ملحة لوضع بروتوكول وطني خاص بموجات الحر، يتضمن تعليق أو تقليص ساعات العمل خلال فترات الذروة، وإعادة تنظيم التوقيت الصيفي للمهن الشاقة، مع إلزام أصحاب المؤسسات والورشات بتوفير مياه الشرب الباردة وأماكن للراحة المظللة ووسائل الإسعاف الأولي، فضلاً عن تكثيف الرقابة للتثبت من احترام شروط السلامة المهنية.
كما يمكن للسلطات الجهوية والمحلية إصدار قرارات ظرفية تتلاءم مع خصوصية كل جهة حسب مستوى الحرارة المسجل، بما يضمن حماية العمال دون الإضرار بنسق الإنتاج، خاصة وأن أغلب دول العالم التي تواجه درجات حرارة مرتفعة أصبحت تعتمد مثل هذه الإجراءات الوقائية خلال فصل الصيف.
ويحذّر الأطباء من أن التعرض المباشر للشمس لساعات طويلة قد يؤدي إلى الجفاف الحاد وضربات الشمس وفقدان الوعي واضطرابات القلب والدورة الدموية، وهي حالات قد تكون قاتلة إذا لم يتم التدخل بسرعة. لذلك لم تعد فترات الراحة أثناء العمل ترفًا أو امتيازًا، بل أصبحت ضرورة صحية تفرضها الظروف المناخية الاستثنائية.
ومع تواتر موجات الحرّ عامًا بعد آخر بفعل التغيرات المناخية، تبدو تونس مطالبة بإعادة النظر في طرق تنظيم العمل بالمهن المكشوفة وإدماج مخاطر الحرارة ضمن سياسات السلامة المهنية، حتى لا يتحول السعي وراء لقمة العيش إلى مخاطرة يومية تهدد حياة آلاف العمال. فالوقاية اليوم ليست مجرد توصية، وإنما مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمؤسسات وأصحاب الأعمال، حمايةً للإنسان باعتباره الثروة الحقيقية.
الطريق السّيارة تونس ذ جلمة تدخل مرحلة الإنجاز الحاسم الإستثمار في البنية الطرقية ودفع التنمية
الصحافة اليوم: مصباح الجدي يشهد مشروع الطريق السيارة تونس ذ جلمة، أحد…
