2026-08-12

برنامج‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭:‬ هل‭ ‬يتحقق‭ ‬حلم‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬إمتلاك‭ ‬منزل؟

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي

و‭ ‬مع‭  ‬إعطاء‭ ‬إشارة‭ ‬انطلاق‭ ‬إنجاز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المساكن‭ ‬المبرمجة‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬االكراء‭ ‬المملّكب‭ ‬بكل‭ ‬من‭ ‬ولايتي‭ ‬سوسة‭ ‬ومنوبة،‭ ‬عاد‭ ‬ملف‭ ‬السكن‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬ولكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التفاؤل‭ ‬والحذر‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه‭. ‬فالمشروع‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬فئات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬مسكن‭ ‬عبر‭ ‬صيغة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬معينات‭ ‬كراء‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬ملكية،‭ ‬يثير‭ ‬اليوم‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬حول‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬ستتمتع‭ ‬بالأولوية‭ ‬وشروط‭ ‬الانتفاع،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬أزمة‭ ‬سكن‭ ‬متواصلة‭ ‬وارتفاع‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭.‬

يبدو‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬الدائر‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬المهنية‭ ‬والنقابية،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬شبه‭ ‬إجماع‭ ‬لدى‭ ‬الموظفين،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الخاص،‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فئتهم‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬المشروع،‭ ‬باعتبار‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬عالقة‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وعدم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬القروض‭ ‬البنكية‭ ‬بشروط‭ ‬ميسرة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

فالطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والإدارة‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬أصبحت‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬حلم‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭. ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬أسعار‭ ‬المساكن‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬قدراتها‭ ‬الشرائية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بقيت‭ ‬شروط‭ ‬التمويل‭ ‬البنكي،‭ ‬من‭ ‬نسب‭ ‬الفائدة‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬الأقساط‭ ‬الشهرية‭ ‬والضمانات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬عائقاحقيقيا‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬العائلات‭.‬

ولعل‭ ‬تجربة‭ ‬برنامج‭ ‬االمسكن‭ ‬الأولب‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬الكثيرين‭. ‬فرغم‭ ‬الأهداف‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬أٌعلن‭ ‬عنها‭ ‬عند‭ ‬إطلاقه،‭ ‬فإن‭ ‬عدداً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭ ‬عمليا‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الأزواج‭ ‬الموظفين‭ ‬كذلك‭ ‬لم‭ ‬يبلغوا‭ ‬حلمهم‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬توفر‭ ‬أجرتين‭ ‬لديهم،‭ ‬بسبب‭ ‬الفجوة‭ ‬الكبيرة‭ ‬بين‭ ‬أسعار‭ ‬العقارات‭ ‬وسقف‭ ‬التمويل،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬اشتراطات‭ ‬البنوك‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬سكني‭ ‬أمرا‭ ‬معقدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المتوسط‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬مشروع‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭ ‬نفسه‭ ‬باعتباره‭ ‬صيغة‭ ‬مختلفة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬انسجاما‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الحالي‭. ‬فبدل‭ ‬مطالبة‭ ‬المواطن‭ ‬بتوفير‭ ‬تمويل‭ ‬كبير‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬تقوم‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬معلوم‭ ‬كراء‭ ‬شهري‭ ‬لفترة‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬ملكية‭ ‬المسكن‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬استكمال‭ ‬الالتزامات‭ ‬التعاقدية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يخفف‭ ‬العبء‭ ‬المالي‭ ‬ويمنح‭ ‬الأسر‭ ‬استقراراً‭ ‬أكبر‭.‬

وتشير‭ ‬المعطيات‭ ‬المتداولة‭ ‬حاليا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شروط‭ ‬الانتفاع‭ ‬بالمشروع‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬استهداف‭ ‬الفئات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬السكن‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المنتفع‭ ‬موظفاً‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الخاص،‭ ‬مع‭ ‬اشتراط‭ ‬أقدمية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬سنتين‭ ‬في‭ ‬الانخراط‭ ‬بالصناديق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بما‭ ‬يثبت‭ ‬استقرار‭ ‬وضعيته‭ ‬المهنية‭.‬

كما‭ ‬تتضمن‭ ‬الشروط‭ ‬المتداولة‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬المنتفع‭ ‬مالكا‭ ‬لمسكن،‭ ‬وألا‭ ‬تكون‭ ‬زوجته‭ ‬مالكة‭ ‬لعقار‭ ‬سكني،‭ ‬حتى‭ ‬يوجه‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬سكنا‭ ‬فعلا‭.‬

‭ ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تحديد‭ ‬سقف‭ ‬للدخل،‭ ‬اذ‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الأجر‭ ‬ست‭ ‬مرات‭ ‬الأجر‭ ‬الأدنى‭ ‬المضمون،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لضمان‭ ‬استفادة‭ ‬أصحاب‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬والمتوسط‭ ‬دون‭ ‬غيرهم‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬المقترحات‭ ‬التي‭ ‬لاقت‭ ‬استحساناً‭ ‬أيضاً‭ ‬إمكانية‭ ‬اعتماد‭ ‬الوضعية‭ ‬العائلية‭ ‬ضمن‭ ‬عناصر‭ ‬ترتيب‭ ‬الملفات،‭ ‬مثل‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬أو‭ ‬وجود‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬الإعاقة‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬المشروع‭ ‬بعداً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمعلوم‭ ‬الكراء‭ ‬الشهري،‭ ‬فتتراوح‭ ‬التقديرات‭ ‬المتداولة‭ ‬بين‭ ‬600‭ ‬و800‭ ‬دينار،‭ ‬وهي‭ ‬مبالغ‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬مرتفعة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬العائلات،‭ ‬لكنها‭ ‬تبقى،‭ ‬وفق‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتابعين،‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭ ‬من‭ ‬أقساط‭ ‬القروض‭ ‬البنكية‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬مع‭ ‬نسب‭ ‬الفائدة‭ ‬وتثقل‭ ‬كاهل‭ ‬المقترض‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭.‬

نشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬المساكن‭ ‬التي‭ ‬سيتم‭ ‬إنجازها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بمدى‭ ‬وضوح‭ ‬معايير‭ ‬الانتفاع‭ ‬وشفافية‭ ‬عملية‭ ‬اختيار‭ ‬المستفيدين‭. ‬فكلما‭ ‬كانت‭ ‬الشروط‭ ‬معلنة‭ ‬بدقة‭ ‬وآليات‭ ‬الفرز‭ ‬خاضعة‭ ‬لمقاييس‭ ‬موضوعية‭ ‬ورقابة‭ ‬فعلية،‭ ‬ازدادت‭ ‬ثقة‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬وتراجعت‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تجاوزات‭ ‬أو‭ ‬استثناءات‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭.‬

كما‭ ‬يظل‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬مرتبطا‭ ‬بتوسيع‭ ‬المشروع‭ ‬ليشمل‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات،‭ ‬وخاصة‭ ‬بتونس‭ ‬الكبرى‭ ‬حيث‭ ‬يتزايد‭ ‬الطلب‭ ‬وترتفع‭ ‬كلفة‭ ‬البناء‭ ‬والعقار‭.‬

وفي‭ ‬انتظار‭ ‬الإعلان‭ ‬الرسمي‭ ‬عن‭ ‬الصيغة‭ ‬النهائية‭ ‬لشروط‭ ‬الانتفاع‭ ‬وآليات‭ ‬تقديم‭ ‬المطالب،‭ ‬يفتح‭ ‬الكراء‭ ‬المملّك‭  ‬نافذة‭ ‬أمل‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬آلاف‭ ‬الموظفين‭ ‬الذين‭ ‬طال‭ ‬انتظارهم‭ ‬لحل‭ ‬سكني‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬إمكاناتهم‭. ‬وإذا‭ ‬نجحت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬مستدام‭ ‬وشفاف‭ ‬وقابل‭ ‬للتوسع،‭ ‬فقد‭ ‬يصبح‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الحلول‭ ‬العملية‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬طريقاً‭ ‬ميسراً‭ ‬نحو‭ ‬امتلاك‭ ‬منزل‭ ‬يحفظ‭ ‬استقرارها‭ ‬ويؤمن‭ ‬مستقبل‭ ‬أبنائها‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

رقمنة‭ ‬أسواق‭ ‬الجملة‭:‬ الفوترة‭ ‬الإلكترونية‭..‬خطوة‭ ‬جديدة‭ ‬للرقابة‭ ‬وتنظيم‭ ‬مسالك‭ ‬التوزيع

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي تتواصل‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خطوات‭ ‬تحديث‭ ‬منظومة‭ ‬أسواق‭ ‬الج…