2026-06-09

التبذير‭ ‬الغذائي‭ ‬يتفاقم‭ :‬ ‭ ‬أطنان‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬تُهدر‭ ‬يوميّا‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الغلاء

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬راضية‭ ‬قريصيعة

في‭ ‬وقت‭ ‬تشهد‭ ‬فيه‭ ‬الأسواق‭ ‬ارتفاعات‭ ‬متواصلة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية،‭ ‬و‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬شكاوى‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬وصعوبة‭ ‬تلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬اليومية،‭ ‬تبرز‭ ‬ظاهرة‭ ‬التبذير‭ ‬الغذائي‭ ‬باعتبارها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المفارقات‭ ‬إثارة‭ ‬للانتباه‭. ‬

فبين‭ ‬رفوف‭ ‬المتاجر‭ ‬والمطابخ‭ ‬المنزلية‭ ‬وقاعات‭ ‬الأفراح‭ ‬والمطاعم،‭ ‬تُهدر‭ ‬يوميًا‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأغذية‭ ‬الصالحة‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬تناقضًا‭ ‬واضحًا‭ ‬بين‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬الغلاء‭ ‬وبين‭ ‬الممارسات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إهدار‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الموارد‭ ‬الغذائية‭.‬

ووفق‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للاستهلاك‭ ‬فانه‭ ‬يتم‭ ‬سنويا‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬الأغذية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قابلة‭ ‬للاستهلاك‭.‬محذرا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تكبد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬خسائر‭ ‬هامة‭. ‬

ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬الظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بفترات‭ ‬الرخاء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬الوفرة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬سلوكًا‭ ‬متجذرًا‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجتمعات،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬جدية‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الأسر،‭ ‬وحول‭ ‬مدى‭ ‬نجاح‭ ‬الجهود‭ ‬التوعوية‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الرشيد‭.‬

أطنان‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬تنتهي‭ ‬في‭ ‬حاويات‭ ‬النفايات

وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬دولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الأغذية‭ ‬تُهدر‭ ‬سنويًا‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬سلسلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستهلاك،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬الحقول‭ ‬الزراعية‭ ‬مرورًا‭ ‬بعمليات‭ ‬النقل‭ ‬والتخزين‭ ‬والتوزيع،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬المنازل‭ ‬والمطاعم‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬يحدث‭ ‬عند‭ ‬مرحلة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬النهائي،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬أغذية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صالحة‭ ‬للأكل‭.‬

وتتجلى‭ ‬الظاهرة‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬الخبز‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬تعرضًا‭ ‬للهدر،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الخضروات‭ ‬والفواكه‭ ‬والأطعمة‭ ‬المطهية‭ ‬والحلويات‭ ‬والمشروبات‭. ‬وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬الكميات‭ ‬خلال‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأعياد‭ ‬وشهر‭ ‬رمضان‭ ‬وحفلات‭ ‬الزفاف‭ ‬والولائم،‭ ‬حيث‭ ‬يجري‭ ‬إعداد‭ ‬كميات‭ ‬تفوق‭ ‬بكثير‭ ‬احتياجات‭ ‬الحاضرين‭.‬

و‭ ‬يؤكد‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الهدر‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬وفرة‭ ‬الطعام‭ ‬مظهرًا‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الكرم‭ ‬وحسن‭ ‬الضيافة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يدفع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬إلى‭ ‬إعداد‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬تحسبًا‭ ‬لأي‭ ‬نقص‭ ‬محتمل،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يعني‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬منها‭ ‬لاحقًا‭.‬

لماذا‭ ‬يستمر‭ ‬التبذير‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬؟

يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬الغلاء‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬المستهلكين‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحذر‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬وترشيد‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬استمرار‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬التبذير‭ ‬الغذائي‭. ‬ويعزو‭ ‬خبراء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المتداخلة‭ ‬،‭ ‬وأول‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط‭ ‬المسبق‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الأسري،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬الشراء‭ ‬العشوائي‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬دقيق‭ ‬للاحتياجات‭ ‬الفعلية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اقتناء‭ ‬كميات‭ ‬زائدة‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭. ‬

أما‭ ‬العامل‭ ‬الثاني‭ ‬فيرتبط‭ ‬بالعروض‭ ‬التجارية‭ ‬والتخفيضات‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬المستهلكين‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬منتجات‭ ‬بكميات‭ ‬أكبر‭ ‬بدافع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأسعار‭ ‬المخفضة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬لاحقًا‭ ‬أنهم‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬استهلاكها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬

كما‭ ‬تلعب‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬دورًا‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬الظاهرة،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬بعض‭ ‬المستهلكين‭ ‬بالاطمئنان‭ ‬عند‭ ‬تخزين‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬انتشار‭ ‬أخبار‭ ‬عن‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬

ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ضعف‭ ‬الوعي‭ ‬بقيمة‭ ‬الغذاء‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والبيئية،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬كثيرون‭ ‬على‭ ‬ثمن‭ ‬السلعة‭ ‬عند‭ ‬شرائها،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬حجم‭ ‬الخسارة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬دون‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭.‬

أعباء‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتجاوز‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسرة

و‭ ‬يحذر‭ ‬المختصون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬آثار‭ ‬التبذير‭ ‬الغذائي‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الإنفاق‭ ‬الفردي،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬بأكمله‭. ‬فحين‭ ‬تُهدر‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الغذاء،‭ ‬فإن‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬أنفقت‭ ‬على‭ ‬إنتاجها‭ ‬واستيرادها‭ ‬ونقلها‭ ‬وتخزينها‭ ‬تضيع‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬الفائدة‭ ‬المرجوة‭ ‬منها‭. ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬،‭ ‬فان‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬النفقات‭ ‬الأسرية‭ ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬الميزانية‭ ‬المنزلية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تقليص‭ ‬الهدر‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يخفف‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬منظومات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتوزيع،‭ ‬ويعزز‭ ‬استقرار‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬غير‭ ‬الضروري‭ ‬الذي‭ ‬يرفع‭ ‬مستويات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬بشكل‭ ‬مصطنع‭.‬

‭ ‬دعوات‭ ‬لتعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬وترشيد‭ ‬الاستهلاك

في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬يدعو‭ ‬خبراء‭ ‬وممثلون‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬إلى‭ ‬إطلاق‭ ‬حملات‭ ‬توعوية‭ ‬مستمرة‭ ‬لترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المسؤول،‭ ‬وتشجيع‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬قوائم‭ ‬للمشتريات‭ ‬وفق‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الفعلية‭ ‬وتخزين‭ ‬الأغذية‭ ‬بطريقة‭ ‬سليمة‭. ‬

كما‭ ‬يطالبون‭ ‬بتعزيز‭ ‬مبادرات‭ ‬التبرع‭ ‬بالفائض‭ ‬من‭ ‬الطعام‭ ‬للجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬ومراكز‭ ‬الإيواء،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬التخلص‭ ‬منه،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إدراج‭ ‬مفاهيم‭ ‬مكافحة‭ ‬الهدر‭ ‬الغذائي‭ ‬ضمن‭ ‬البرامج‭ ‬التربوية‭ ‬والتثقيفية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬التبذير‭ ‬الغذائي‭ ‬لا‭ ‬يتطلب‭ ‬إجراءات‭ ‬معقدة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬السلوكيات‭ ‬اليومية،‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬ويمتد‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

مع‭ ‬تسجيل‭ ‬درجات‭ ‬حرارة‭ ‬قياسية‭ :‬ ‭ ‬دعوات‭ ‬عاجلة‭ ‬للتّقيد‭ ‬بالإجراءات‭ ‬الوقائية‭ ‬تجنّبا‭ ‬لضربات‭ ‬الشمس

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬راضية‭ ‬قريصيعة تعيش‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬ع…