2026-05-26

إفريقيا‭… ‬ حين‭ ‬تبحث‭ ‬تونس‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬أرحب

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي

لم‭ ‬تعد‭ ‬إفريقيا‭ ‬ذلك‭ ‬االعمق‭ ‬المنسيب‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬العواصم‭ ‬العربية‭ ‬بوصفه‭ ‬هامشاً‭ ‬جغرافياً‭ ‬بعيداً‭ ‬أو‭ ‬مجالاً‭ ‬محدود‭ ‬الجدوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬فالقارة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُختزل‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬الفقر‭ ‬والحروب‭ ‬والمجاعات،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬ساحات‭ ‬التنافس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثماري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬والسبب‭ ‬بسيط‭ ‬إفريقيا‭ ‬هي‭ ‬سوق‭ ‬المستقبل‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬بدأت‭ ‬تدرك،‭ ‬ولو‭ ‬متأخرة‭ ‬نسبياً،‭ ‬أن‭ ‬خلاصها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬رهين‭ ‬أبواب‭ ‬تقليدية‭ ‬مزدحمة‭ ‬بالمنافسة‭ ‬والشروط‭ ‬والاختلالات،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬نوافذ‭ ‬جديدة‭ ‬نحو‭ ‬فضاء‭ ‬أقرب‭ ‬إليها‭ ‬جغرافياً‭ ‬وتاريخياً‭ ‬وإنسانياً‭.‬

وضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬تم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬مبادرة‭ ‬جديدة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬صالون‭ ‬اأتاكس‭ ‬أكسبوب‭ ‬وهو‭ ‬معرض‭ ‬مخصص‭ ‬للترويج‭ ‬للخدمات‭ ‬والخبرات‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬الهندسة‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والتكوين‭ ‬المهني‭ ‬والخدمات‭ ‬المحاسبية‭ ‬والصناعية،‭ ‬بهدف‭ ‬دعم‭ ‬تصدير‭ ‬الكفاءات‭ ‬التونسية‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الإفريقية‭. ‬وأن‭ ‬الدورة‭ ‬الأولى‭ ‬للصالون‭ ‬ستنتظم‭ ‬أيام‭ ‬6‭ ‬و7‭ ‬و8‭ ‬أفريل‭ ‬2027‭ ‬بـقصر‭ ‬المعارض‭ ‬بالكرم،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الدورة‭ ‬العاشرة‭ ‬لمنتدى‭ ‬افيتاب‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬كشف‭ ‬عنه‭ ‬مجلس‭ ‬الأعمال‭ ‬التونسي‭ ‬الإفريقي‭ ‬خلال‭ ‬تقديم‭ ‬مخرجات‭ ‬الدورة‭ ‬التاسعة‭ ‬لمنتدى‭ ‬تمويل‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬افيتا‭ ‬2026ب،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬حجم‭ ‬المشاركة‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬المشاريع‭ ‬أو‭ ‬المبادرات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تثبيت‭ ‬الحضور‭ ‬التونسي‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭.‬

لقد‭ ‬اكتشفت‭ ‬دول‭ ‬كثيرة‭ ‬أن‭ ‬النفوذ‭ ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬فقط‭ ‬بالسلاح‭ ‬أو‭ ‬الخطابات‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬بالخبرة‭ ‬والخدمات‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والهندسة‭.‬

وهنا‭ ‬تحديداً‭ ‬تكمن‭ ‬إحدى‭ ‬نقاط‭ ‬القوة‭ ‬التونسية‭.‬

فتونس،‭ ‬رغم‭ ‬أزماتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تملك‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬بشرياً‭ ‬مهماً‭.‬

أطباء‭ ‬ومهندسون‭ ‬وخبراء‭ ‬ومؤسسات‭ ‬تكوين‭ ‬وكفاءات‭ ‬تقنية‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬لنفسها‭ ‬مكاناً‭ ‬داخل‭ ‬قارة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تقريباً‭:‬

البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬والرقمنة،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والهندسة،‭ ‬والتخطيط‭ ‬العمراني،‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬

ولهذا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭  ‬إطلاق‭ ‬صالون‭ ‬اأتاكس‭ ‬إكسبوب‭ ‬يبدو‭ ‬خطوة‭ ‬ذكية‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬تصدير‭ ‬السلع‭ ‬التقليدية‭ ‬نحو‭ ‬تصدير‭ ‬المعرفة‭ ‬والخبرة‭ ‬فالعالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬المواد‭ ‬الخام،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬والدول‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬كفاءات‭ ‬بشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التموقع‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬الجديدة‭ ‬تملك‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬مؤثرة‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬إفريقيا‭ ‬أيضاً‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬يمنح‭ ‬تونس‭ ‬هامشاً‭ ‬أوسع‭ ‬للحركة‭ ‬مقارنة‭ ‬ببعض‭ ‬الأسواق‭ ‬التقليدية‭ ‬المغلقة‭ ‬أو‭ ‬المشروطة‭.‬

في‭ ‬أوروبا‭ ‬مثلاً،‭ ‬المنافسة‭ ‬شرسة،‭ ‬والمعايير‭ ‬معقدة،‭ ‬والأسواق‭ ‬شبه‭ ‬مشبعة،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تحكمها‭ ‬اختلالات‭ ‬واضحة‭ ‬لصالح‭ ‬الطرف‭ ‬الأقوى‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬إفريقيا،‭ ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬الفرص‭ ‬مفتوحة،‭ ‬والحاجيات‭ ‬هائلة،‭ ‬وإمكانيات‭ ‬النمو‭ ‬أكبر‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬إفريقيا‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬سوقاً‭ ‬للاستهلاك،‭ ‬بل‭ ‬فضاء‭ ‬استراتيجياً‭ ‬لبناء‭ ‬شراكات‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬فالمشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬عنها‭ ‬المنتدى،‭ ‬مثل‭ ‬انوفيشن‭ ‬سيتي‭ ‬كينشاساب‭ ‬واتكنوباركب،‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتعلق‭ ‬بتجارة‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬بمحاولات‭ ‬لبناء‭ ‬حضور‭ ‬تونسي‭ ‬دائم‭ ‬داخل‭ ‬اقتصادات‭ ‬إفريقية‭ ‬صاعدة‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬عقلية‭ ‬االصفقةب‭ ‬إلى‭ ‬عقلية‭ ‬االشراكةب‭.‬

فالاستثمارات‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬والتنمية‭ ‬المتبادلة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التبعية‭ ‬أو‭ ‬الشروط‭ ‬المجحفة‭ ‬أو‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وهنا‭ ‬تملك‭ ‬تونس‭ ‬فرصة‭ ‬مهمة،‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬قوة‭ ‬استعمارية،‭ ‬ولا‭ ‬دولة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬النفوذ‭ ‬العسكري،‭ ‬بل‭ ‬بلداً‭ ‬متوسط‭ ‬الإمكانيات‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬نفسه‭ ‬كشريك‭ ‬قريب‭ ‬ثقافياً‭ ‬وإنسانياً‭ ‬وتنموياً‭.‬

لكن‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالشعارات‭ ‬وحدها‭ ‬فالأسواق‭ ‬الإفريقية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تمويل،‭ ‬ولوجستيك،‭ ‬وخطوط‭ ‬نقل،‭ ‬وحضور‭ ‬مصرفي،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬اقتصادية‭ ‬نشطة،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المجازفة‭ ‬والاستمرارية‭.‬

ولهذا‭ ‬كانت‭ ‬ملاحظة‭ ‬الكاتبة‭ ‬العامة‭ ‬لمجلس‭ ‬الأعمال‭ ‬التونسي‭ ‬الإفريقي‭ ‬نادية‭ ‬يعيش‭ ‬مهمة‭ ‬حين‭ ‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬تمويل‭ ‬البنوك‭ ‬التونسية‭ ‬للمشاريع‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬استراتيجية‭ ‬التكتلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والكونسورتيومات‭ ‬فالعمل‭ ‬الفردي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬والمشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحالفات‭ ‬تجمع‭ ‬الخبرة‭ ‬والتمويل‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬اغرف‭ ‬الحلمب‭ ‬لربط‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإفريقية‭ ‬والدولية‭ ‬يمثل‭ ‬خطوة‭ ‬ضرورية،‭ ‬لأن‭ ‬أكبر‭ ‬مشكلة‭ ‬تواجه‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬ليست‭ ‬دائماً‭ ‬غياب‭ ‬الفرص،‭ ‬بل‭ ‬صعوبة‭ ‬التمويل‭ ‬وضمان‭ ‬الاستمرارية‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬بدأت‭ ‬تفهم‭ ‬أن‭ ‬مستقبلها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬معلّقاً‭ ‬فقط‭ ‬بالشمال‭ ‬فإفريقيا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬جغرافي،‭ ‬بل‭ ‬خيار‭ ‬استراتيجي‭ ‬طويل‭ ‬المدى‭ ,‬القارة‭ ‬تنمو‭ ‬بسرعة،‭ ‬وسكانها‭ ‬يتزايدون،‭ ‬وطبقاتها‭ ‬الوسطى‭ ‬تتوسع،‭ ‬واحتياجاتها‭ ‬تتضاعف‭.‬

ومن‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬مبكراً،‭ ‬ويحسن‭ ‬بناء‭ ‬شراكاته،‭ ‬سيحجز‭ ‬لنفسه‭ ‬مكاناً‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬الغد‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للمترولوجيا‭ ‬ : تونس‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬اعلم‭ ‬القياسب‭ ‬لرسم‭ ‬سياساتها‭ ‬العمومية‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي هناك‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الي…