2026-06-24

حين‭ ‬تستعيد‭ ‬الأرض‭ ‬وظيفتها‭..‬ الدولة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مفاتيح‭ ‬التنمية‭ ‬المدفونة

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬عادل‭ ‬البرينصيت

ليست‭ ‬كل‭ ‬الثروات‭ ‬مدفونة‭ ‬في‭ ‬باطن‭ ‬الأرض،‭ ‬فبعضها‭ ‬ممدود‭ ‬على‭ ‬سطحها،‭ ‬معطّل‭ ‬بفعل‭ ‬الإهمال،‭ ‬أو‭ ‬رهين‭ ‬النزاعات‭ ‬والإجراءات‭ ‬المعقدة،‭ ‬أو‭ ‬ضائع‭ ‬بين‭ ‬خرائط‭ ‬قديمة‭ ‬وملفات‭ ‬مؤجلة‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬حسن‭ ‬توظيف‭ ‬العقارات‭ ‬الدولية،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬وزير‭ ‬أملاك‭ ‬الدولة‭ ‬والشؤون‭ ‬العقارية‭ ‬وجدي‭ ‬الهذيلي،‭ ‬مجرد‭ ‬شأن‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬تقني‭ ‬يخص‭ ‬الوزارة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬عنوان‭ ‬لتوجه‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتنموي‭ ‬أوسع،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الثروة‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬الدولة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬أراض‭ ‬جامدة‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬منتجة‭ ‬ومصادر‭ ‬فعلية‭ ‬لدفع‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتنمية‭.‬

فالدول‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬احتياطات‭ ‬مالية،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬أصولها‭ ‬وإحكام‭ ‬التصرف‭ ‬فيها‭. ‬وما‭ ‬قيمة‭ ‬عقار‭ ‬دولي‭ ‬مترامي‭ ‬الأطراف‭ ‬إذا‭ ‬ظل‭ ‬خارج‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬بقي‭ ‬أسير‭ ‬ملفات‭ ‬لم‭ ‬تحسم،‭ ‬أو‭ ‬أصبح‭ ‬عرضة‭ ‬للاعتداءات‭ ‬والتجاوزات؟‭ ‬وما‭ ‬جدوى‭ ‬الثروة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬الثروة؟

من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تبدو‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬تسريع‭ ‬الإجراءات‭ ‬العقارية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬بمثابة‭ ‬محاولة‭ ‬لإزالة‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬العوائق‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تعطّل‭ ‬إنجاز‭ ‬المشاريع‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬بقي‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬حبيس‭ ‬التعقيدات‭ ‬العقارية،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬استثمارات‭ ‬تعطلت‭ ‬بسبب‭ ‬نزاعات‭ ‬على‭ ‬الملكية‭ ‬أو‭ ‬تأخر‭ ‬في‭ ‬التحديد‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬المعطيات‭ ‬الدقيقة؟‭ ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتحرك‭ ‬فيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬بسرعة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الإجراءات‭ ‬الإدارية‭ ‬إلى‭ ‬جدران‭ ‬تعيق‭ ‬التنمية،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬العقارات‭ ‬نفسها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحل‭.‬

واللافت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬الأراضي،‭ ‬بل‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬العقار‭ ‬والتنمية‭ ‬الجهوية،‭ ‬وبين‭ ‬أملاك‭ ‬الدولة‭ ‬والعدالة‭ ‬المجالية‭. ‬فحين‭ ‬يتم‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬العقارات‭ ‬لخدمة‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬والجهات‭ ‬ذات‭ ‬الأولوية،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الفرص‭ ‬وإعطاء‭ ‬التنمية‭ ‬مضموناً‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭. ‬فالأرض‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مساحة‭ ‬جغرافية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إمكانية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬وقد‭ ‬تتحول،‭ ‬إذا‭ ‬أحسن‭ ‬استغلالها،‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬شغل‭ ‬وثروة‭ ‬واستقرار‭.‬

ولعل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬الاستقصاء‭ ‬والتحديد‭ ‬والتسجيل‭ ‬العقاري‭ ‬يعكس‭ ‬وعياً‭ ‬بأن‭ ‬التنمية‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المعرفة‭ ‬الدقيقة‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬الدولة‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬إدارة‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعرف،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬حماية‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬تحديده‭ ‬وتوثيقه‭. ‬ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬الخارطة‭ ‬الرقمية‭ ‬لأملاك‭ ‬الدولة،‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬الوزارة‭ ‬إلى‭ ‬إنجازها،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مشروع‭ ‬معلوماتي‭. ‬إنها‭ ‬خطوة‭ ‬نحو‭ ‬بناء‭ ‬ذاكرة‭ ‬عقارية‭ ‬حديثة،‭ ‬وقاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬شاملة‭ ‬تسمح‭ ‬باتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬واضحة،‭ ‬وتقلص‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التجاوزات‭ ‬والاعتداءات،‭ ‬وتضع‭ ‬حداً‭ ‬لحالة‭ ‬الضبابية‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬لسنوات‭ ‬بجانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الأملاك‭ ‬العمومية‭.‬

وفي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬فإن‭ ‬الرقمنة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬ترفاً‭ ‬إدارياً،‭ ‬بل‭ ‬شرطاً‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الحوكمة‭ ‬الحديثة‭. ‬فالعالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬إدارة‭ ‬الأصول‭ ‬بالبيانات‭ ‬والمعطيات‭ ‬الدقيقة،‭ ‬وتونس‭ ‬بدورها‭ ‬مطالبة‭ ‬بمواكبة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬رهينة‭ ‬الأساليب‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تستهلك‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬وتفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬التعطيل‭ ‬والتأويل‭.‬

ومن‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬دعوة‭ ‬الوزير‭ ‬إلى‭ ‬التسريع‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬الحوزة‭ ‬العقارية‭ ‬لفائدة‭ ‬المشاريع‭ ‬العمومية‭ ‬تحمل‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقبل‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬الإجراءات‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬مصالح‭ ‬المواطنين‭. ‬فالمشروع‭ ‬الذي‭ ‬يتأخر‭ ‬سنوات‭ ‬بسبب‭ ‬إشكال‭ ‬عقاري‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬الوقت‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يخسر‭ ‬معه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬فرصاً‭ ‬للنمو،‭ ‬وتفقد‭ ‬الجهات‭ ‬مواطن‭ ‬شغل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إليها،‭ ‬وتتراكم‭ ‬كلفة‭ ‬التأخير‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العمومية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يبرز‭ ‬توجه‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬جرد‭ ‬الأصول‭ ‬الثابتة‭ ‬المادية‭ ‬للدولة‭ ‬وتقييمها‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬بدقة‭ ‬قيمة‭ ‬ممتلكاتها‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬توظيفها‭ ‬واستثمارها،‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لاستشراف‭ ‬حاجياتها‭ ‬المستقبلية‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬حوّلت‭ ‬إدارة‭ ‬أصولها‭ ‬العقارية‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬حقيقية‭ ‬للنمو،‭ ‬وإلى‭ ‬مصدر‭ ‬تمويل‭ ‬للمشاريع‭ ‬الكبرى،‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إثقال‭ ‬كاهل‭ ‬الميزانية‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬المفرط‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭.‬

وفي‭ ‬العمق،‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬فلسفة‭ ‬جديدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬العقار‭ ‬العمومي‭ ‬رصيداً‭ ‬وطنياً‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يخدم‭ ‬التنمية‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مجرد‭ ‬سجل‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬موضوع‭ ‬نزاعات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭. ‬فالدولة‭ ‬القوية‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬أراضي‭ ‬واسعة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬كيف‭ ‬تحول‭ ‬هذه‭ ‬الأراضي‭ ‬إلى‭ ‬مدارس‭ ‬ومستشفيات‭ ‬ومناطق‭ ‬صناعية‭ ‬ومشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬ومواطن‭ ‬شغل‭.‬

إن‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬وظيفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬عبء،‭ ‬أما‭ ‬حين‭ ‬تستعيد‭ ‬وظيفتها‭ ‬وتدخل‭ ‬دورة‭ ‬الإنتاج،‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬أحد‭ ‬مفاتيح‭ ‬النهوض‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ملف‭ ‬العقارات‭ ‬الدولية‭ ‬ملفاً‭ ‬إدارياً‭ ‬هامشياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬التنمية‭ ‬نفسها،‭ ‬ومن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استثمار‭ ‬موارده‭ ‬الذاتية،‭ ‬وأكثر‭ ‬استعداداً‭ ‬لتحويل‭ ‬الثروة‭ ‬الصامتة‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة‭.‬

فالبلدان‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تكتشفه‭ ‬من‭ ‬ثروات‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بما‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬قيمته‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬موجوداً‭ ‬أمام‭ ‬أعينها،‭ ‬لكنه‭ ‬ظل‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬خارج‭ ‬الحسابات،‭ ‬وكأن‭ ‬الأرض‭ ‬نفسها‭ ‬كانت‭ ‬تنتظر‭ ‬من‭ ‬يعيد‭ ‬إليها‭ ‬وظيفتها‭ ‬الأولى‭: ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منبعاً‭ ‬للعمران‭ ‬ومصدراً‭ ‬للرخاء‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الكفاءة‭ ‬الطبية‭ ‬التونسية‭: ‬ جــســر‭ ‬نـحـو‭ ‬إفـريـقــيـا

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬‭ ‬عادل‭ ‬البرينصي ليست‭ ‬كل‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ …