2026-06-24

أثبتتها‭ ‬نتائج‭ ‬الباكالوريا‭:‬ الولايات‭ ‬الأقلّ‭ ‬تنمية‭ ‬تكسر‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬للتميّز

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي‭ ‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬نتائج‭ ‬امتحان‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬مجرد‭ ‬مناسبة‭ ‬سنوية‭ ‬للإعلان‭ ‬عن‭ ‬نسب‭ ‬النجاح‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالمتفوقين،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مؤشراً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وتنموياً‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭. ‬

ففي‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬برزت‭ ‬ملامح‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬النجاح،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الولايات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬توصف‭ ‬بالأقل‭ ‬تنمية‭ ‬أو‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬تتذيل‭ ‬الترتيب‭ ‬الوطني‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تحقق‭ ‬نتائج‭ ‬لافتة،‭ ‬وتنافس‭ ‬أحياناً‭ ‬ولايات‭ ‬كانت‭ ‬تُعرف‭ ‬تاريخياً‭ ‬بتفوقها‭ ‬الدراسي‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬صدفة‭ ‬أو‭ ‬ظرف‭ ‬استثنائي،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تغيراً‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬بقيمة‭ ‬التعليم‭ ‬باعتباره‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأكثر‭ ‬أمناً‭ ‬لتحقيق‭ ‬الارتقاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتحسين‭ ‬ظروف‭ ‬العيش‭. ‬ففي‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية،‭ ‬باتت‭ ‬الأسرة‭ ‬التونسية‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مشروع‭ ‬استثماري‭ ‬طويل‭ ‬المدى،‭ ‬يستحق‭ ‬التضحية‭ ‬بالوقت‭ ‬والجهد‭ ‬والإمكانات‭ ‬المتاحة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬محدودة‭.‬

ورغم‭ ‬التفاوت‭ ‬في‭ ‬الإمكانيات‭ ‬بين‭ ‬الجهات،‭ ‬فإن‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬الداخلية‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإرادة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬عندما‭ ‬تتوفر‭ ‬العزيمة‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الأسر‭ ‬أكثر‭ ‬حرصاً‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬المناخ‭ ‬الملائم‭ ‬لأبنائها،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيم‭ ‬أوقات‭ ‬الدراسة،‭ ‬أو‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬التشتيت،‭ ‬أو‭ ‬تشجيعهم‭ ‬على‭ ‬المثابرة‭ ‬منذ‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التعليم‭.‬

كما‭ ‬ساهم‭ ‬انتشار‭ ‬الدروس‭ ‬الخصوصية،‭ ‬واستغلال‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتنامي‭ ‬ثقافة‭ ‬المتابعة‭ ‬اليومية‭ ‬للتحصيل‭ ‬الدراسي،‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬فرص‭ ‬النجاح‭ ‬لدى‭ ‬التلاميذ،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الخدمات‭ ‬التعليمية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬ولاية‭ ‬كبرى‭ ‬أو‭ ‬مدينة‭ ‬ساحلية‭ ‬ضماناً‭ ‬لتحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬أفضل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬معيار‭ ‬النجاح‭ ‬أصبح‭ ‬يرتبط‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬بمدى‭ ‬انخراط‭ ‬الأسرة‭ ‬والتلميذ‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬تعليمي‭ ‬جاد،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ارتباطه‭ ‬بالموقع‭ ‬الجغرافي‭.‬

ويلاحظ‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬أبناء‭ ‬الجهات‭ ‬الداخلية‭ ‬يحملون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬دافعاً‭ ‬إضافياً‭ ‬للتفوق،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬واقعهم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬فالنجاح‭ ‬في‭ ‬الباكالوريا‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬مجرد‭ ‬شهادة‭ ‬مدرسية،‭ ‬بل‭ ‬يعد‭ ‬بوابة‭ ‬نحو‭ ‬الجامعة،‭ ‬وفرصة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬البطالة‭ ‬والتهميش،‭ ‬وبداية‭ ‬لمسار‭ ‬جديد‭ ‬قد‭ ‬يغير‭ ‬مستقبل‭ ‬الأسرة‭ ‬بأكملها‭.‬

لقد‭ ‬ساهم‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬قاطرة‭ ‬حقيقية‭ ‬للتنمية‭. ‬فكل‭ ‬طبيب‭ ‬أو‭ ‬مهندس‭ ‬أو‭ ‬أستاذ‭ ‬أو‭ ‬باحث‭ ‬يتخرج‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬يمثل‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭ ‬فردية،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يشكل‭ ‬لبنة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬تنمية‭ ‬محلية‭ ‬مستدامة‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬التربوي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬رسائل‭ ‬مهمة‭ ‬لصناع‭ ‬القرار‭. ‬إذ‭ ‬تؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬يبقى‭ ‬الأكثر‭ ‬مردودية،‭ ‬وأن‭ ‬توفير‭ ‬تعليم‭ ‬جيد‭ ‬ومتوازن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭ ‬كفيل‭ ‬بتقليص‭ ‬الفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬

كما‭ ‬تبرز‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬أهمية‭ ‬مواصلة‭ ‬دعم‭ ‬المؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتحسين‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتوفير‭ ‬الإطار‭ ‬التربوي‭ ‬المستقر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعميم‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭.‬

وتبقى‭ ‬نتائج‭ ‬الباكالوريا‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬نسب‭ ‬وإحصائيات،‭ ‬فهي‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬تطور‭ ‬المجتمع،‭ ‬ومدى‭ ‬إيمانه‭ ‬بأن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬إلا‭ ‬بالعلم‭ ‬والمعرفة‭. ‬وما‭ ‬تشهده‭ ‬الولايات‭ ‬الأقل‭ ‬تنمية‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬النجاح‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬تمتلك‭ ‬طاقات‭ ‬بشرية‭ ‬واعدة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جهاتها،‭ ‬وأن‭ ‬الفرصة‭ ‬متى‭ ‬توفرت،‭ ‬فإن‭ ‬التميز‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬ولا‭ ‬بالفوارق‭ ‬التنموية‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬المدرسة‭ ‬التونسية،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الصعوبات،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬الأمل،‭ ‬وأن‭ ‬الأسرة‭ ‬التونسية،‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الأرياف،‭ ‬تدرك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬لدعم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الفلاحي‭:‬ ‭ ‬المنصّة‭ ‬الرقمية‭ ‬لرخص‭ ‬الآبار‭ ‬العميقة‭ ‬تدخل‭ ‬حيز‭ ‬الاستغلال

الصحافة‭ ‬اليوم‭:‬مصباح‭ ‬الجدي شهدت‭ ‬الإدارة‭ ‬التونسية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬توج…