أثبتتها نتائج الباكالوريا: الولايات الأقلّ تنمية تكسر الصورة النمطية للتميّز
الصحافة اليوم: مصباح الجدي
لم تعد نتائج امتحان الباكالوريا في تونس مجرد مناسبة سنوية للإعلان عن نسب النجاح أو الاحتفاء بالمتفوقين، بل أصبحت مؤشراً اجتماعياً وتنموياً يكشف عن تحولات عميقة داخل المجتمع التونسي.
ففي السنوات الأخيرة، برزت ملامح جديدة على خارطة النجاح، حيث لم تعد الولايات التي كانت توصف بالأقل تنمية أو الأكثر هشاشة تتذيل الترتيب الوطني كما كان سائداً في السابق، بل بدأت تحقق نتائج لافتة، وتنافس أحياناً ولايات كانت تُعرف تاريخياً بتفوقها الدراسي.
هذا التحول لا يمكن اعتباره مجرد صدفة أو ظرف استثنائي، بل يعكس تغيراً في الوعي الجماعي بقيمة التعليم باعتباره الوسيلة الأكثر أمناً لتحقيق الارتقاء الاجتماعي وتحسين ظروف العيش. ففي العديد من المناطق الداخلية، باتت الأسرة التونسية تنظر إلى المدرسة على أنها مشروع استثماري طويل المدى، يستحق التضحية بالوقت والجهد والإمكانات المتاحة مهما كانت محدودة.
ورغم التفاوت في الإمكانيات بين الجهات، فإن ما حققته العديد من الولايات الداخلية يؤكد أن الإرادة قادرة على تقليص الفجوة عندما تتوفر العزيمة. فقد أصبحت الأسر أكثر حرصاً على توفير المناخ الملائم لأبنائها، سواء من خلال تنظيم أوقات الدراسة، أو الحد من مصادر التشتيت، أو تشجيعهم على المثابرة منذ السنوات الأولى من التعليم.
كما ساهم انتشار الدروس الخصوصية، واستغلال المنصات الرقمية، وتنامي ثقافة المتابعة اليومية للتحصيل الدراسي، في تعزيز فرص النجاح لدى التلاميذ، حتى في المناطق التي تعاني من نقص في البنية التحتية أو من محدودية الخدمات التعليمية.
وفي المقابل، لم يعد الانتماء إلى ولاية كبرى أو مدينة ساحلية ضماناً لتحقيق نتائج أفضل، وهو ما يؤكد أن معيار النجاح أصبح يرتبط بدرجة أكبر بمدى انخراط الأسرة والتلميذ في مشروع تعليمي جاد، أكثر من ارتباطه بالموقع الجغرافي.
ويلاحظ أيضاً أن أبناء الجهات الداخلية يحملون في كثير من الأحيان دافعاً إضافياً للتفوق، يتمثل في رغبتهم في تغيير واقعهم الاجتماعي والاقتصادي. فالنجاح في الباكالوريا لا يمثل بالنسبة إليهم مجرد شهادة مدرسية، بل يعد بوابة نحو الجامعة، وفرصة للخروج من دائرة البطالة والتهميش، وبداية لمسار جديد قد يغير مستقبل الأسرة بأكملها.
لقد ساهم هذا الوعي في ترسيخ ثقافة جديدة داخل المجتمع المحلي، تقوم على مفهوم أن التعليم ليس رفاهية، وإنما هو قاطرة حقيقية للتنمية. فكل طبيب أو مهندس أو أستاذ أو باحث يتخرج من إحدى المناطق الداخلية يمثل قصة نجاح فردية، لكنه في الوقت نفسه يشكل لبنة إضافية في بناء تنمية محلية مستدامة.
ولا يقتصر أثر هذه النتائج على الجانب التربوي فقط، بل يحمل رسائل مهمة لصناع القرار. إذ تؤكد التجارب الناجحة أن الاستثمار في الإنسان يبقى الأكثر مردودية، وأن توفير تعليم جيد ومتوازن بين مختلف الجهات كفيل بتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية على المدى الطويل.
كما تبرز هذه المؤشرات أهمية مواصلة دعم المؤسسات التربوية في الولايات الداخلية، وتحسين البنية الأساسية، وتوفير الإطار التربوي المستقر، إلى جانب تعميم الخدمات الرقمية التي أصبحت عنصراً أساسياً في العملية التعليمية.
وتبقى نتائج الباكالوريا في نهاية المطاف أكثر من مجرد نسب وإحصائيات، فهي مرآة تعكس تطور المجتمع، ومدى إيمانه بأن المستقبل لا يُبنى إلا بالعلم والمعرفة. وما تشهده الولايات الأقل تنمية اليوم من تحسن في مؤشرات النجاح يؤكد أن تونس تمتلك طاقات بشرية واعدة في كل جهاتها، وأن الفرصة متى توفرت، فإن التميز لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا بالفوارق التنموية.
لقد أثبتت التجربة أن المدرسة التونسية، رغم كل الصعوبات، ما تزال قادرة على صناعة الأمل، وأن الأسرة التونسية، في المدن كما في الأرياف، تدرك أكثر من أي وقت مضى أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
صفحة جديدة لدعم الاستثمار الفلاحي: المنصّة الرقمية لرخص الآبار العميقة تدخل حيز الاستغلال
الصحافة اليوم:مصباح الجدي شهدت الإدارة التونسية خلال السنوات الأخيرة توج…
