2026-08-08

حملات التفقّد على المكّيفات المقلّدة: خطوة ضروريّة لكنها لا تكفي دون تجفيف منابع التهريب

الصحافة اليوم: مصباح الجدي
مع تصاعد الطلب على الكهرباء خلال أشهر الصيف وتزايد الضغط على الشبكة الوطنية نتيجة الاستعمال المكثف لأجهزة التكييف سيما خلال الآونة الأخيرة، كثفت السلطات في عدد من الولايات حملاتها الرقابية لاستهداف أجهزة التبريد «المكيفات» المقلدة أو ذات الجودة الرديئة، في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى ترشيد استهلاك الطاقة والحد من استنزاف المنظومة الكهربائية.
وتأتي هذه الحملات في ظرف دقيق تعيشه تونس، حيث أصبحت إدارة الطلب على الكهرباء أولوية وطنية، خاصة مع موجات الحر المتكررة وارتفاع عدد المساكن والمؤسسات المجهزة بالمكيفات. وفي هذا السياق، لم يعد الأمر يتعلق فقط بحماية المستهلك من الغش التجاري، وإنما أيضا بحماية الأمن الطاقي للبلاد.
وتتميز المكيفات المقلدة أو غير المطابقة للمواصفات باستهلاكها كميات أكبر من الكهرباء مقارنة بالأجهزة الأصلية ذات النجاعة الطاقية العالية. كما أنها غالبا ما تكون مصنعة بمواد منخفضة الجودة، وهو ما يقلص من عمرها الافتراضي ويرفع من احتمالات تعطلها أو تسببها في أعطال كهربائية قد تصل إلى اندلاع حرائق داخل المنازل أو المحلات التجارية.
ولذلك فإن تكثيف المراقبة داخل الفضاءات التجارية ونقاط البيع يمثل رسالة واضحة مفادها أن السوق التونسية لم تعد مفتوحة أمام المنتجات مجهولة المصدر أو التي لا تستجيب للمواصفات الفنية المطلوبة. كما يساهم هذا التوجه في حماية المؤسسات الملتزمة بالقانون من المنافسة غير الشريفة التي تفرضها السلع المهربة أو المقلدة.
ومن بين أهم مزايا هذه الحملات أيضا أنها تعزز ثقة المستهلك في الأجهزة المعروضة للبيع، وتدفع التجار إلى مزيد الحرص على اقتناء منتجات مطابقة للمواصفات، فضلا عن نشر ثقافة النجاعة الطاقية التي أصبحت ضرورة اقتصادية وبيئية في آن واحد.
غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل ذات تأثير محدود إذا اقتصرت على مراقبة المحلات والأسواق الداخلية فقط. فالكثير من المكيفات المقلدة أو الرديئة تصل إلى المستهلك بعد أن تكون قد عبرت الحدود بطرق غير قانونية، سواء عبر التهريب المنظم أو عبر مسالك التجارة الموازية التي ما تزال تنشط في عدد من المناطق الحدودية.
وهنا يبرز التساؤل المشروع: لماذا لا تبدأ المعركة من المنبع؟ فاعتراض السلع غير المطابقة قبل دخولها إلى التراب التونسي يظل أكثر نجاعة وأقل كلفة من ملاحقتها بعد توزيعها داخل الأسواق. فكل جهاز مهرّب يتم حجزه على الحدود يوفر على أجهزة الرقابة لاحقا عمليات تفتيش ومتابعة قد تمتد إلى عشرات المحلات ونقاط البيع.
كما أن شبكات التهريب لا تقتصر أضرارها على إدخال سلع رديئة فقط، بل تلحق خسائر كبيرة بالاقتصاد الوطني من خلال التهرب من دفع الأداءات والمعاليم الديوانية، فضلا عن الإضرار بالمؤسسات التجارية المنظمة التي تعمل في إطار القانون وتتحمل مختلف الأعباء الجبائية.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح سياسة ترشيد إستهلاك الكهرباء لا يمكن أن يبنى فقط على حملات ظرفية داخل المدن، بل يستوجب رؤية متكاملة تبدأ بتشديد الرقابة على المعابر الحدودية، وتعزيز وسائل عمل الأجهزة الديوانية، وتكثيف التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والرقابية، وصولا إلى الأسواق الداخلية.
كما يتحمل المستهلك أيضا جزءا من المسؤولية، إذ أن البحث عن السعر الأرخص قد يدفع البعض إلى اقتناء أجهزة مجهولة المصدر دون الانتباه إلى استهلاكها المرتفع للطاقة أو غياب الضمانات الفنية. ومع مرور الوقت، يتحول ما يبدو أقل سعرا عند الشراء إلى فاتورة كهرباء مرتفعة ومصاريف صيانة متكررة.
كما يمكن للسلطات أن تدعم هذه الحملات ببرامج تحفيزية للتجار من ذلك تشجيع المواطنين على اقتناء المكيفات ذات الكفاءة الطاقية العالية، سواء عبر تسهيلات في التمويل أو حوافز جبائية أو برامج لاستبدال الأجهزة القديمة بأخرى أكثر اقتصادا للطاقة، وهو توجه أثبت نجاحه في عدد من الدول التي واجهت ضغوطا مماثلة على شبكاتها الكهربائية.
إن مكافحة المكيفات المقلدة ليست مجرد حملة تجارية ضد الغش، وإنما هي جزء من معركة أوسع لحماية الاقتصاد الوطني وترشيد استهلاك الطاقة والحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية. وهذه المعركة لن تحقق أهدافها كاملة ما لم تستهدف السلسلة بأكملها، من الحدود والمعابر مرورا بمسالك التوزيع وصولا إلى نقاط البيع وللمستهلك. إذ كلما ضاقت منافذ التهريب تراجعت السلع الرديئة وارتفعت جودة السوق وأصبح ترشيد استهلاك الكهرباء واقعا ملموسا لا مجرد شعار موسمي.

‫شاهد أيضًا‬

لتعزيز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬ودعم‭ ‬المبادرة‭ ‬الاقتصادية‭:‬ قروض‭ ‬على‭ ‬الشّرف‭ ‬دون‭ ‬ضمانات‭ ‬أو‭ ‬عمولات‭..‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬مصباح‭ ‬الجدي مع‭ ‬صدور‭ ‬الأمر‭ ‬عدد‭ ‬148‭ ‬لسنة‭ ‬2026‭ ‬المؤرخ‭ ‬في…