ليالي السينما بقصر الرباط بسوسة
االذراري الحمرب في البرنامج و االروندة 13ب في الاختتام
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
تتجدّد خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 5 جويلية 2026 مواعيد ليالي السينما بقصر الرباط بسوسة في دورتها السادسة عشرة، لتؤكد هذه التظاهرة الثقافية مكانتها باعتبارها أحد أبرز المواعيد الصيفية التي تجمع بين متعة المشاهدة وثراء النقاش، مستثمرة الفضاء التاريخي لقصر الرباط ليصبح، مع حلول الليل، قاعة سينما في الهواء الطلق تستقبل جمهوراً متنوعاً من عشاق الفن السابع، وخاصة من الشباب.
وتقترح الدورة الجديدة برنامجاً يزاوج بين الفيلم الروائي الطويل والفيلم القصير، في محاولة لتقديم صورة عن حيوية السينما التونسية المعاصرة وتعدد أصواتها وتجاربها الجمالية، على أن تتبع جميع العروض نقاشات يديرها الأستاذ حمزة بلحاج، بما يحوّل المشاهدة إلى فعل ثقافي يتجاوز التلقي السلبي نحو الحوار والتفكير النقدي.
وافتتح البرنامج بعرض الفيلم الطويل االذراري الحمرب للمخرج لطفي عاشور، أحد أبرز الأفلام التونسية في السنوات الأخيرة، والذي يستلهم حادثة واقعية شهدتها المناطق الجبلية في تونس ليطرح، بلغة سينمائية مكثفة، أسئلة الطفولة والعنف والإرهاب والهشاشة الإنسانية. وقد حظي الفيلم باهتمام نقدي واسع في المهرجانات الدولية لما تميز به من قوة بصرية وحس إنساني عميق.
أفلام طويلة وأخرى قصيرة
وفي خانة الأفلام القصيرة، يبرز فيلم االعصافير لا تهاجرب لرامي الجربوعي، وهو عمل يتخذ من تفاصيل الحياة اليومية مدخلاً للتأمل في معاني الحرية والانتماء والاقتلاع، معتمداً لغة بصرية شاعرية واقتصاداً سردياً يميز هذا الجنس السينمائي.
كما تعرض التظاهرة فيلم اليني أفريكوب لمروان لبيب، الذي يستكشف، بأسلوب يجمع بين الواقعية والسخرية، بعض التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الشباب التونسي، مقدماً رؤية نقدية لعلاقة الفرد بمحيطه وهويته.
ويأتي أيضاً فيلم اSome Where I Belongب للمخرج يوسف حندوس، الذي يعالج، من خلال بناء بصري معاصر، سؤال الانتماء والبحث عن الذات في عالم تتسارع فيه التحولات والهجرات، وهو موضوع بات يحتل مكانة مركزية في السينما العالمية اليوم.
أما فيلم اتحت جناحيب لسليم عليلش، فيتوقف عند العلاقات الإنسانية الدقيقة وما يرافقها من مشاعر الحماية والخوف والرغبة في التحرر، موظفاً لغة سينمائية هادئة تمنح الأولوية للصورة والإيحاء أكثر من الحوار المباشر.
عرض خاص لفيلم االروندة 13ب
ويختتم البرنامج بالفيلم الطويل االروندة 13ب للمخرج محمد علي النهدي، الذي يقدم تجربة تنتمي إلى السينما الجماهيرية دون أن تتخلى عن مساءلة الواقع الاجتماعي، مستفيداً من عناصر التشويق والكوميديا لرصد نماذج من الحياة اليومية وما تختزنه من مفارقات.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة لأنها تراهن على السينما التونسية في تنوعها، وتمنح الأفلام القصيرة مساحة غالباً ما تفتقدها في قاعات العرض التجارية، رغم أنها تمثل مختبراً حقيقياً لتجارب المخرجين الشباب وللرهانات الجمالية الجديدة. كما أن تنظيم العروض في فضاء مفتوح خلال الموسم الصيفي يجعل السينما أقرب إلى الجمهور، ويعيد إليها دورها كفعل ثقافي جماعي يجمع بين الترفيه والتثقيف.
وفي زمن تتسع فيه هيمنة المنصات الرقمية والمشاهدة الفردية، تبدو مثل هذه المبادرات ضرورية لإحياء تقاليد المشاهدة الجماعية، وتعزيز الحوار حول الصورة، وتكوين ذائقة سينمائية نقدية لدى الأجيال الجديدة. فليالي السينما بقصر الرباط لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تخلق فضاءً للقاء بين المخرجين والجمهور والنقاد، وتؤكد أن الثقافة السينمائية لا تُبنى بكثرة الإنتاج وحدها، وإنما أيضاً باستمرار فرص المشاهدة والنقاش، وبإيمان المؤسسات الثقافية بأن السينما، مثلها مثل الأدب والمسرح، رافعة أساسية للوعي والجمال.
