”كتارا” تعلن عن القائمة الطويلة للرّواية التّاريخية: مــشــاركـة تـونـسـيـة يـتـيـمـة وهـيـمـنـة قويـة للـكــتاب المصريين
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
لم يعد الإعلان عن القائمات الطويلة والقصيرة للجوائز الأدبية العربية حدثًا عابرًا في الأوساط الثقافية، بل أصبح مناسبة ينتظرها الكتّاب والناشرون والقرّاء على حدّ سواء، لما تثيره من نقاشات حول اتجاهات الكتابة الجديدة، ولما تمنحه من فرصة لاكتشاف أصوات سردية واعدة. وفي هذا السياق، أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي “كتارا” في الدوحة عن القائمة الطويلة لفئة الرواية التاريخية ضمن الدورة الثانية عشرة لجائزة كتارا للرواية العربية، وضمّت ثمانية عشر عملًا من سبع دول عربية، تصدّرتها مصر بسبع روايات، تلتها الجزائر بأربع روايات، ثم توزعت بقية الأعمال بين المغرب واليمن وعُمان وفلسطين والسودان وتونس. (وتمثّل تونس الروائية “خديجة التومي” بعملها” البيّة قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)) كما أعلنت المؤسسة عن القائمات الطويلة لبقية فئات الجائزة، في دورة سجلت رقمًا قياسيًا بلغ 2610 مشاركة، وهو الأعلى منذ إطلاق الجائزة سنة 2014.
ومنذ تأسيسها سنة 2014، نجحت جائزة كتارا في أن تفرض نفسها ضمن أبرز الجوائز الأدبية العربية، ليس فقط بفضل قيمتها المالية الكبيرة، وإنما أيضًا بسبب رؤيتها التي تتجاوز منح المكافآت إلى الاستثمار في مستقبل الرواية العربية. فقد انطلقت الجائزة بفئات متعددة تشمل الرواية المنشورة، والرواية غير المنشورة، والدراسات النقدية، وروايات الفتيان، ثم أضيفت لاحقًا فئتا الرواية التاريخية والرواية القطرية، وهو ما منحها خصوصية لا تكاد تتوافر في أي جائزة عربية أخرى. كما تتكفل بترجمة الأعمال الفائزة إلى لغات عالمية، والعمل على تحويل بعضها إلى أعمال درامية، بما يوسّع دائرة انتشار الرواية العربية خارج حدودها التقليدية.
جوائز غيرت خارطة الرّواية العربية
وقد ساهمت “كتارا” خلال أكثر من عقد في تقديم عشرات الروائيين إلى جمهور عربي واسع، كما منحت فرصة ثمينة للأعمال غير المنشورة كي ترى النور، وهو ما جعلها بالنسبة إلى كثير من الكتّاب بوابة فعلية نحو الاحتراف الأدبي. ولم تعد المشاركة فيها تقتصر على الأسماء المعروفة، بل أصبحت تستقطب أعدادًا متزايدة من الكتّاب الشباب، وهو ما تؤكده الأرقام القياسية التي تسجلها كل دورة.
غير أن كتارا ليست سوى حلقة في منظومة عربية واسعة من الجوائز التي أسهمت خلال العقدين الأخيرين في إعادة الاعتبار للرواية العربية. ففي مقدمة هذه الجوائز تبرز الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) التي اكتسبت مكانة دولية بفضل شراكتها مع مؤسسة جائزة بوكر البريطانية، وأصبحت الروايات الفائزة بها تحقق انتشارًا عربيًا وعالميًا غير مسبوق. كما رسخت جائزة الشيخ زايد للكتاب مكانتها باعتبارها من أرفع الجوائز الثقافية العربية، بما تمنحه من تقدير فكري وأدبي رفيع، في حين استطاعت جائزة نجيب محفوظ للرواية التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة أن تؤدي دورًا مهمًا في إيصال الرواية العربية إلى القارئ الأجنبي عبر الترجمة إلى الإنقليزية.
وتضاف إلى ذلك جوائز أخرى مثل جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وجائزة الملك فيصل في بعض دوراتها الأدبية، إلى جانب الجوائز الوطنية التي باتت تشكل مختبرًا لاكتشاف المواهب الجديدة.
وقد غيّرت هذه الجوائز خريطة النشر العربي بصورة واضحة. فالناشرون أصبحوا يتابعون القائمات الطويلة والقصيرة بحثًا عن الأعمال الواعدة، بينما ارتفعت مبيعات الروايات الفائزة أو المرشحة، وأصبحت الترجمة والتوزيع الخارجي أكثر ارتباطًا بنتائج الجوائز. حتى وسائل الإعلام الثقافية باتت تخصص مساحات واسعة لمتابعة هذه الاستحقاقات، وهو ما أسهم في إعادة الرواية إلى واجهة المشهد الثقافي العربي.
ويستمر الجدل حول فائدة الجوائز
لكن هذا الازدهار لم يخلُ من الجدل. فقد اتُّهمت الجوائز أحيانًا بصناعة “روايات الجوائز”، أي أعمال تُكتب وفق معايير يُعتقد أنها تستجيب لذائقة لجان التحكيم، كما أثيرت أسئلة حول هيمنة بعض الموضوعات أو الأسماء. ومع ذلك، يبقى تأثيرها الإيجابي أكبر بكثير من سلبياتها، لأنها خلقت حراكًا نقديًا وإعلاميًا، وشجعت مئات الكتّاب على خوض مغامرة الكتابة بثقة أكبر.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الجوائز لا تكمن في الشيكات المالية التي تمنحها، مهما كانت سخية، بل في قدرتها على تحويل الرواية إلى حدث ثقافي يحظى باهتمام الرأي العام، وعلى فتح آفاق جديدة أمام الكاتب العربي للوصول إلى قرّاء جدد داخل العالم العربي وخارجه. ومن هنا، فإن إعلان القائمة الطويلة للرواية التاريخية في جائزة كتارا لا يمثل مجرد محطة في سباق نحو التتويج، بل يذكّر بالدور الذي باتت تؤديه الجوائز الأدبية في صناعة المشهد الروائي العربي، وفي تحويل الإبداع من جهد فردي معزول إلى مشروع ثقافي متكامل، تتقاطع فيه الكتابة مع النشر والترجمة والنقد والقراءة، بما يرسّخ مكانة الرواية بوصفها الجنس الأدبي الأكثر حيوية وتأثيرًا في الثقافة العربية المعاصرة.
