على هامش بطولة العالم لكرة القدم:
روايات وأفلام خالدة كتبت أجمل حكايات المستطيل الأخضر
الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
مع كل دورة جديدة لكأس العالم، تتجه أنظار الملايين إلى الملاعب، لكن أنظار الكتّاب والمخرجين تتجه بدورها إلى الإنسان الذي يركض خلف الكرة، لا إلى الكرة ذاتها. فهذه الرياضة، بما تختزنه من أحلام وانكسارات، أنتجت على امتداد أكثر من قرن أعمالاً أدبية وسينمائية أصبحت علامات فارقة، لأن أصحابها أدركوا أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل مرآة للمجتمع وللسياسة وللعواطف الإنسانية.
ومن أشهر الأعمال الروائية التي قاربت هذا العالم رواية االخوف من ركلات الجزاءب للكاتب النمساوي بيتر هاندكه، والمترجمة إلى عديد اللّغات بما في ذلك العربية و التي تحوّل مباراة كرة القدم إلى استعارة فلسفية عن العزلة والقلق والاغتراب. ولا تحضر الكرة في هذه الرّواية بوصفها حدثاً رياضياً، بل باعتبارها لغة لفهم الإنسان الحديث، وهو ما جعل الرواية واحدة من أكثر النصوص تأثيراً في الأدب الأوروبي المعاصر.
من “حمّى المدرّجات” إلى “كرة القدم بين الشمس والظلّ”
أما الكاتب البريطاني نيك هورنبي فقد قدّم في روايته الشهيرة احمّى المدرجاتب (Fever Pitch) عملاً يكاد يكون السيرة الذاتية لعاشق كرة القدم. فالكتاب لا يحكي تاريخ نادي أرسنال فحسب، وإنما يرصد كيف يمكن لكرة القدم أن تعيد تشكيل حياة إنسان كاملة، وأن تتحول إلى هوية وذاكرة وعلاقة مع الأسرة والأصدقاء والزمن. وقد تحولت الرواية إلى فيلم ناجح، ثم أصبحت مرجعاً لكل من كتب عن ثقافة الجماهير الرياضية.
وفي أمريكا اللاتينية، حيث تمتزج الكرة بالشعر والسياسة، يظل كتاب إدواردو غاليانو اكرة القدم بين الشمس والظلب واحداً من أجمل ما كُتب عن اللعبة. فهو ليس رواية بالمعنى التقليدي، بل فسيفساء من الحكايات والخواطر والسير القصيرة التي تستعيد أساطير اللعبة وتربطها بتاريخ الشعوب وأحلامها، بلغة أدبية آسرة جعلت الكتاب كلاسيكياً في أدب الرياضة.
ولم يكن الأدب العربي بعيداً عن هذا العالم، فقد حضرت كرة القدم في عدد من الروايات بوصفها مدخلاً لفهم التحولات الاجتماعية، وإن ظلت أقل حضوراً مقارنة بالآداب الأوروبية وأدب أمريكا اللاتينية، وهو ما يفتح الباب أمام كتاب عرب جدد لاستثمار هذا المجال السردي الغني. ومن الضّروري هنا الإشارة إلى رواية الكاتب التونسي”شكري مبخوت””باغندا” وهي رواية تحكي سيرة لاعب شهيرة يدعى”باغندا ” وقد استثمر” المبخوت” سيرته ليلقي الضوء على أطوار وأحداث ومناخات عرفتها تونس في تلك الفترة.
عن الحرب وكرة القدم في السينما
وفي السينما، تبدو القائمة أكثر ثراءً. فمن الصعب الحديث عن أفلام كرة القدم دون استحضار الفيلم البريطاني االهروب إلى النصرب (Escape to Victory) الذي جمع بين نجوم السينما ونجوم الكرة، وفي مقدمتهم سيلفستر ستالون ومايكل كين والأسطورة البرازيلية بيليه. يروي الفيلم قصة أسرى حرب يخوضون مباراة ضد الجيش النازي، فتتحول المباراة إلى معركة من أجل الكرامة والحرية، ليصبح واحداً من أشهر الأفلام الرياضية في تاريخ السينما.
وفي منحى مختلف، قدّم المخرج البريطاني غوريندر تشادا فيلم اانطلقي مثل بيكهامب (Bend It Like Beckham) الذي تناول حلم فتاة من أصول هندية باحتراف كرة القدم رغم القيود الاجتماعية والثقافية. وقد نجح الفيلم في طرح قضايا الهوية والاندماج وحقوق المرأة، مؤكداً أن كرة القدم يمكن أن تكون أداة للتحرر بقدر ما هي لعبة للتنافس.
أما السينما البرازيلية فقدمت تحفتها اعام ولادة والديب (The Year My Parents Went on Vacation) حيث تتقاطع أحداث كأس العالم لسنة 1970 مع سنوات الديكتاتورية العسكرية، فيصبح المونديال ملاذاً لطفل يعيش فقدان والديه، وتتحول الانتصارات الكروية إلى مساحة مؤقتة للهروب من القمع السياسي.
وفي السينما الوثائقية، يحتل فيلم ازيدان: صورة في القرن الحادي والعشرينب (Zidane: A 21st Century Portrait) مكانة خاصة، إذ يراقب النجم الفرنسي زين الدين زيدان طوال مباراة كاملة، ليحوّل تسعين دقيقة من كرة القدم إلى تجربة بصرية وتأملية تكشف الجانب الإنساني والنفسي للاعب أكثر مما تكشف الجانب الرياضي.
كما صنعت سيرة الأسطورة الأرجنتينية دييغو مارادونا عدداً من الأفلام الوثائقية، أبرزها فيلم المخرج البريطاني آصف كاباديا، الذي قدّم شخصية مارادونا بكل تناقضاتها، بين العبقرية الرياضية والسقوط الإنساني، مؤكداً أن نجوم الكرة هم أيضاً شخصيات درامية بامتياز.
حين تصير الهزيمة بداية رواية
إن ما يجمع هذه الأعمال جميعاً هو أنها لا تتوقف عند تسجيل نتائج المباريات أو استعادة البطولات، بل تبحث عما يحدث خارج خطوط الملعب: في المدرجات، وفي البيوت، وفي ذاكرة الجماهير، وفي حياة اللاعبين. فالهزيمة قد تصبح بداية لرواية، والانتصار قد يخفي مأساة إنسانية، والهدف قد يكون مجرد ذريعة للحديث عن الحب أو السياسة أو العدالة.
ولهذا، كلما عاد كأس العالم، لا تعود معه المنتخبات وحدها، بل تعود أيضاً تلك الكتب والأفلام التي أثبتت أن كرة القدم ليست مجرد تسعين دقيقة، وإنما حكاية إنسانية لا تنتهي، قادرة في كل مرة على أن تكتب أدباً جديداً، وأن تصنع سينما لا تقل إثارة عن أجمل المباريات.
