2026-07-07

على‭ ‬هامش‭ ‬بطولة‭ ‬العالم‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭:‬

روايات‭ ‬وأفلام‭ ‬خالدة‭ ‬كتبت‭ ‬أجمل‭ ‬حكايات‭ ‬المستطيل‭ ‬الأخضر

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

مع‭ ‬كل‭ ‬دورة‭ ‬جديدة‭ ‬لكأس‭ ‬العالم،‭ ‬تتجه‭ ‬أنظار‭ ‬الملايين‭ ‬إلى‭ ‬الملاعب،‭ ‬لكن‭ ‬أنظار‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمخرجين‭ ‬تتجه‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يركض‭ ‬خلف‭ ‬الكرة،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬الكرة‭ ‬ذاتها‭. ‬فهذه‭ ‬الرياضة،‭ ‬بما‭ ‬تختزنه‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬وانكسارات،‭ ‬أنتجت‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬أعمالاً‭ ‬أدبية‭ ‬وسينمائية‭ ‬أصبحت‭ ‬علامات‭ ‬فارقة،‭ ‬لأن‭ ‬أصحابها‭ ‬أدركوا‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لعبة،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬للمجتمع‭ ‬وللسياسة‭ ‬وللعواطف‭ ‬الإنسانية‭.‬

ومن‭ ‬أشهر‭ ‬الأعمال‭ ‬الروائية‭ ‬التي‭ ‬قاربت‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬رواية‭ ‬االخوف‭ ‬من‭ ‬ركلات‭ ‬الجزاءب‭ ‬للكاتب‭ ‬النمساوي‭ ‬بيتر‭ ‬هاندكه،‭ ‬والمترجمة‭ ‬إلى‭ ‬عديد‭ ‬اللّغات‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العربية‭ ‬و‭ ‬التي‭ ‬تحوّل‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬استعارة‭ ‬فلسفية‭ ‬عن‭ ‬العزلة‭ ‬والقلق‭ ‬والاغتراب‭. ‬ولا‭ ‬تحضر‭ ‬الكرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرّواية‭  ‬بوصفها‭ ‬حدثاً‭ ‬رياضياً،‭ ‬بل‭ ‬باعتبارها‭ ‬لغة‭ ‬لفهم‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الرواية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النصوص‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الأوروبي‭ ‬المعاصر‭.‬

من‭ “‬حمّى‭ ‬المدرّجات‭” ‬إلى‭ “‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬بين‭ ‬الشمس‭ ‬والظلّ‭”‬

أما‭ ‬الكاتب‭ ‬البريطاني‭ ‬نيك‭ ‬هورنبي‭ ‬فقد‭ ‬قدّم‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬الشهيرة‭ ‬احمّى‭ ‬المدرجاتب‭ (‬Fever Pitch‭) ‬عملاً‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬لعاشق‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭. ‬فالكتاب‭ ‬لا‭ ‬يحكي‭ ‬تاريخ‭ ‬نادي‭ ‬أرسنال‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬يرصد‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬حياة‭ ‬إنسان‭ ‬كاملة،‭ ‬وأن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭ ‬وذاكرة‭ ‬وعلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والزمن‭. ‬وقد‭ ‬تحولت‭ ‬الرواية‭ ‬إلى‭ ‬فيلم‭ ‬ناجح،‭ ‬ثم‭ ‬أصبحت‭ ‬مرجعاً‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬الجماهير‭ ‬الرياضية‭.‬

وفي‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬حيث‭ ‬تمتزج‭ ‬الكرة‭ ‬بالشعر‭ ‬والسياسة،‭ ‬يظل‭ ‬كتاب‭ ‬إدواردو‭ ‬غاليانو‭ ‬اكرة‭ ‬القدم‭ ‬بين‭ ‬الشمس‭ ‬والظلب‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬عن‭ ‬اللعبة‭. ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬رواية‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬فسيفساء‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬والخواطر‭ ‬والسير‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬تستعيد‭ ‬أساطير‭ ‬اللعبة‭ ‬وتربطها‭ ‬بتاريخ‭ ‬الشعوب‭ ‬وأحلامها،‭ ‬بلغة‭ ‬أدبية‭ ‬آسرة‭ ‬جعلت‭ ‬الكتاب‭ ‬كلاسيكياً‭ ‬في‭ ‬أدب‭ ‬الرياضة‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬الأدب‭ ‬العربي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬فقد‭ ‬حضرت‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬بوصفها‭ ‬مدخلاً‭ ‬لفهم‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وإن‭ ‬ظلت‭ ‬أقل‭ ‬حضوراً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالآداب‭ ‬الأوروبية‭ ‬وأدب‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬كتاب‭ ‬عرب‭ ‬جدد‭ ‬لاستثمار‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬السردي‭ ‬الغني‭. ‬ومن‭ ‬الضّروري‭ ‬هنا‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬رواية‭ ‬الكاتب‭ ‬التونسي‭”‬شكري‭ ‬مبخوت‭””‬باغندا‭” ‬وهي‭ ‬رواية‭ ‬تحكي‭ ‬سيرة‭ ‬لاعب‭ ‬شهيرة‭ ‬يدعى‭”‬باغندا‭ ” ‬وقد‭ ‬استثمر‭” ‬المبخوت‭” ‬سيرته‭ ‬ليلقي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أطوار‭ ‬وأحداث‭ ‬ومناخات‭ ‬عرفتها‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭.‬

عن‭ ‬الحرب‭ ‬وكرة‭ ‬القدم‭ ‬في‭ ‬السينما

وفي‭ ‬السينما،‭ ‬تبدو‭ ‬القائمة‭ ‬أكثر‭ ‬ثراءً‭. ‬فمن‭ ‬الصعب‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬أفلام‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬الفيلم‭ ‬البريطاني‭ ‬االهروب‭ ‬إلى‭ ‬النصرب‭ (‬Escape to Victory‭) ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬نجوم‭ ‬السينما‭ ‬ونجوم‭ ‬الكرة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬سيلفستر‭ ‬ستالون‭ ‬ومايكل‭ ‬كين‭ ‬والأسطورة‭ ‬البرازيلية‭ ‬بيليه‭. ‬يروي‭ ‬الفيلم‭ ‬قصة‭ ‬أسرى‭ ‬حرب‭ ‬يخوضون‭ ‬مباراة‭ ‬ضد‭ ‬الجيش‭ ‬النازي،‭ ‬فتتحول‭ ‬المباراة‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكرامة‭ ‬والحرية،‭ ‬ليصبح‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬الأفلام‭ ‬الرياضية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭.‬

وفي‭ ‬منحى‭ ‬مختلف،‭ ‬قدّم‭ ‬المخرج‭ ‬البريطاني‭ ‬غوريندر‭ ‬تشادا‭ ‬فيلم‭ ‬اانطلقي‭ ‬مثل‭ ‬بيكهامب‭ (‬Bend It Like Beckham‭) ‬الذي‭ ‬تناول‭ ‬حلم‭ ‬فتاة‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬هندية‭ ‬باحتراف‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬رغم‭ ‬القيود‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬طرح‭ ‬قضايا‭ ‬الهوية‭ ‬والاندماج‭ ‬وحقوق‭ ‬المرأة،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬للتحرر‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬لعبة‭ ‬للتنافس‭.‬

أما‭ ‬السينما‭ ‬البرازيلية‭ ‬فقدمت‭ ‬تحفتها‭ ‬اعام‭ ‬ولادة‭ ‬والديب‭ (‬The Year My Parents Went on Vacation‭) ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬أحداث‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬لسنة‭ ‬1970‭ ‬مع‭ ‬سنوات‭ ‬الديكتاتورية‭ ‬العسكرية،‭ ‬فيصبح‭ ‬المونديال‭ ‬ملاذاً‭ ‬لطفل‭ ‬يعيش‭ ‬فقدان‭ ‬والديه،‭ ‬وتتحول‭ ‬الانتصارات‭ ‬الكروية‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للهروب‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬السياسي‭.‬

وفي‭ ‬السينما‭ ‬الوثائقية،‭ ‬يحتل‭ ‬فيلم‭ ‬ازيدان‭: ‬صورة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرينب‭ (‬Zidane‭: ‬A 21st Century Portrait‭) ‬مكانة‭ ‬خاصة،‭ ‬إذ‭ ‬يراقب‭ ‬النجم‭ ‬الفرنسي‭ ‬زين‭ ‬الدين‭ ‬زيدان‭ ‬طوال‭ ‬مباراة‭ ‬كاملة،‭ ‬ليحوّل‭ ‬تسعين‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬بصرية‭ ‬وتأملية‭ ‬تكشف‭ ‬الجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬والنفسي‭ ‬للاعب‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تكشف‭ ‬الجانب‭ ‬الرياضي‭.‬

كما‭ ‬صنعت‭ ‬سيرة‭ ‬الأسطورة‭ ‬الأرجنتينية‭ ‬دييغو‭ ‬مارادونا‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية،‭ ‬أبرزها‭ ‬فيلم‭ ‬المخرج‭ ‬البريطاني‭ ‬آصف‭ ‬كاباديا،‭ ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬شخصية‭ ‬مارادونا‭ ‬بكل‭ ‬تناقضاتها،‭ ‬بين‭ ‬العبقرية‭ ‬الرياضية‭ ‬والسقوط‭ ‬الإنساني،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬نجوم‭ ‬الكرة‭ ‬هم‭ ‬أيضاً‭ ‬شخصيات‭ ‬درامية‭ ‬بامتياز‭.‬

حين‭ ‬تصير‭ ‬الهزيمة‭ ‬بداية‭ ‬رواية

إن‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬جميعاً‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬تسجيل‭ ‬نتائج‭ ‬المباريات‭ ‬أو‭ ‬استعادة‭ ‬البطولات،‭ ‬بل‭ ‬تبحث‭ ‬عما‭ ‬يحدث‭ ‬خارج‭ ‬خطوط‭ ‬الملعب‭: ‬في‭ ‬المدرجات،‭ ‬وفي‭ ‬البيوت،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الجماهير،‭ ‬وفي‭ ‬حياة‭ ‬اللاعبين‭. ‬فالهزيمة‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬بداية‭ ‬لرواية،‭ ‬والانتصار‭ ‬قد‭ ‬يخفي‭ ‬مأساة‭ ‬إنسانية،‭ ‬والهدف‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مجرد‭ ‬ذريعة‭ ‬للحديث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬أو‭ ‬السياسة‭ ‬أو‭ ‬العدالة‭.‬

ولهذا،‭ ‬كلما‭ ‬عاد‭ ‬كأس‭ ‬العالم،‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬معه‭ ‬المنتخبات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬تعود‭ ‬أيضاً‭ ‬تلك‭ ‬الكتب‭ ‬والأفلام‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تسعين‭ ‬دقيقة،‭ ‬وإنما‭ ‬حكاية‭ ‬إنسانية‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬قادرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬أدباً‭ ‬جديداً،‭ ‬وأن‭ ‬تصنع‭ ‬سينما‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬إثارة‭ ‬عن‭ ‬أجمل‭ ‬المباريات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ليالي‭ ‬السينما‭ ‬بقصر‭ ‬الرباط‭ ‬بسوسة‭ ‬ االذراري‭ ‬الحمرب‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬و‭ ‬االروند…