2026-06-29

مسرحية‭ ‬اماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬لفتحي‭ ‬العكاري‭ ‬في‭ ‬عرضها‭ ‬الأخير‭ ‬بدار‭ ‬الثقافة‭ ‬ابن‭ ‬رشيق‭:‬ حين‭ ‬يتحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬لكتابة‭ ‬المسرح‭ ‬داخل‭ ‬المسرح

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

في‭ ‬أمسية‭ ‬الخميس‭ ‬25‭ ‬جوان،‭ ‬احتضنت‭ ‬دار‭ ‬الثقافة‭ ‬ابن‭ ‬رشيق‭ ‬عرض‭ ‬مسرحية‭ ‬اماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬للمخرج‭ ‬والباحث‭ ‬المسرحي‭ ‬فتحي‭ ‬العكاري،‭ ‬وهو‭ ‬عمل‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬فني‭ ‬وبحثي‭ ‬يواصل‭ ‬صاحبه‭ ‬الاشتغال‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬ساعيًا‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للمسرح‭ ‬بوصفه‭ ‬فضاءً‭ ‬للتفكير‭ ‬والتكوين،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للفرجة‭. ‬فالعرض‭ ‬لا‭ ‬يقترح‭ ‬حكاية‭ ‬مكتملة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬أمام‭ ‬المتفرج‭ ‬ورشة‭ ‬حية‭ ‬تُصنع‭ ‬فيها‭ ‬الشخصيات،‭ ‬وتُختبر‭ ‬فيها‭ ‬اللغة‭ ‬المسرحية،‭ ‬وتُعاد‭ ‬مساءلة‭ ‬علاقة‭ ‬الممثل‭ ‬بنفسه‭ ‬وبالركح‭ ‬وبالعالم‭. ‬

منذ‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى،‭ ‬يعلن‭ ‬العمل‭ ‬انحيازه‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬لا‭ ‬مسرح‭ ‬الأجوبة‭. ‬فـاماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬عبارة‭ ‬افتراضية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬المحرّك‭ ‬الدرامي‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اختياراته‭ ‬المؤجلة‭ ‬ومساراته‭ ‬الممكنة،‭ ‬ويستدعي‭ ‬ذلك‭ ‬السؤال‭ ‬القديم‭ ‬المتجدد‭: ‬ماذا‭ ‬كان‭ ‬سيحدث‭ ‬لو‭ ‬اخترنا‭ ‬طريقًا‭ ‬آخر؟‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬البسيط‭ ‬ظاهريًا،‭ ‬يبني‭ ‬العكاري‭ ‬عرضًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬السرد‭ ‬التقليدي‭ ‬ليصبح‭ ‬تمرينًا‭ ‬فلسفيًا‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬الذات،‭ ‬واستكشاف‭ ‬ما‭ ‬يختبئ‭ ‬داخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهواجس‭ ‬والأحلام‭. ‬

المسرح‭ ‬داخل‭ ‬المسرح‭… ‬كتابة‭ ‬تُولد‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور

من‭ ‬أهم‭ ‬رهانات‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬اعتماده‭ ‬تقنية‭ ‬االمسرح‭ ‬داخل‭ ‬المسرحب‭ ‬أو‭ ‬الميتامسرح،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬فعل‭ ‬الكتابة‭ ‬نفسه‭ ‬موضوعًا‭ ‬للعرض‭. ‬فالمخرج‭ ‬حاضر‭ ‬داخل‭ ‬اللعبة‭ ‬المسرحية،‭ ‬والممثلون‭ ‬لا‭ ‬يكتفون‭ ‬بأداء‭ ‬الشخصيات،‭ ‬بل‭ ‬يكشفون‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬آليات‭ ‬بنائها،‭ ‬فتتحول‭ ‬الخشبة‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬حيّ‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الكتابة‭ ‬والإخراج‭ ‬والارتجال‭ ‬والبحث‭.‬

ولا‭ ‬يسعى‭ ‬العرض‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬وهم‭ ‬الواقع،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬صناعة‭ ‬هذا‭ ‬الوهم،‭ ‬كاشفًا‭ ‬للمتفرج‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬خلف‭ ‬الشخصية‭ ‬وخلف‭ ‬النص‭. ‬لذلك‭ ‬تتجاور‭ ‬المونولوغات‭ ‬مع‭ ‬الحوارات،‭ ‬وتمتزج‭ ‬الرواية‭ ‬بالسرد‭ ‬والاستذكار،‭ ‬بينما‭ ‬تتوالى‭ ‬الشخصيات،‭ ‬غالبًا‭ ‬بلا‭ ‬أسماء،‭ ‬باعتبارها‭ ‬نماذج‭ ‬إنسانية‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬أفرادًا‭ ‬بعينهم‭. ‬إنها‭ ‬شخصيات‭ ‬تحمل‭ ‬أوجاع‭ ‬جيل‭ ‬يعيش‭ ‬ارتباكًا‭ ‬وجوديًا،‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والحرية‭ ‬والمساواة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يزداد‭ ‬تعقيدًا‭. ‬

مختبر‭ ‬بيداغوجي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عرضًا‭ ‬مسرحيًا

غير‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬المشروع‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬طبيعته‭ ‬التكوينية‭. ‬فـاماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬ليس‭ ‬عرضًا‭ ‬نهائيًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬مسار‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬طلبة‭ ‬المسرح‭ ‬الذين‭ ‬يخضعون‭ ‬لتجربة‭ ‬تدريبية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استكشاف‭ ‬قدرات‭ ‬الممثل‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية‭ ‬والتعبيرية‭. ‬فالعرض‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬لاختبار‭ ‬التداعي‭ ‬الحر‭ ‬والاعتراف‭ ‬والانفجار‭ ‬الداخلي،‭ ‬وهي‭ ‬أدوات‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مرتكزات‭ ‬التكوين‭ ‬المسرحي‭ ‬المعاصر‭. ‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬تجربة‭ ‬فتحي‭ ‬العكاري‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والممارسة‭ ‬الركحية‭. ‬فالممثل‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬منفذًا‭ ‬لنص‭ ‬جاهز،‭ ‬وإنما‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬إنتاجه،‭ ‬والكتابة‭ ‬نفسها‭ ‬تظل‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬احتمالات‭ ‬التطوير‭ ‬والتعديل‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬يكشفه‭ ‬التمرين‭ ‬المسرحي‭ ‬من‭ ‬طاقات‭ ‬جديدة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬التجربة‭ ‬بعدها‭ ‬البيداغوجي،‭ ‬إذ‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬العرض‭ ‬نفسه‭ ‬فضاءً‭ ‬للتعلّم‭ ‬واكتشاف‭ ‬أدوات‭ ‬التعبير‭.‬

رهان‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬مستقل‭ ‬يقاوم‭ ‬الاستسهال

يندرج‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬أيضًا‭ ‬ضمن‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬دأب‭ ‬العكاري‭ ‬على‭ ‬الدفاع‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬المستقل،‭ ‬والقائم‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الأشكال‭ ‬الجاهزة‭ ‬والفرجة‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬مقابل‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬ركحية‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مساءلة‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر‭. ‬فالرؤية‭ ‬الإخراجية‭ ‬التي‭ ‬يشتغل‭ ‬عليها،‭ ‬والمعروفة‭ ‬باقترابها‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬افن‭ ‬الكاووسب،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬القوالب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬وإعادة‭ ‬تركيبها‭ ‬في‭ ‬صور‭ ‬مشهدية‭ ‬متحررة،‭ ‬تستثمر‭ ‬الإضاءة‭ ‬والظلمة‭ ‬والإيقاع‭ ‬والسينوغرافيا‭ ‬بوصفها‭ ‬عناصر‭ ‬درامية‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وسائل‭ ‬تقنية‭. ‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬التجربة‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬المخرج‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬فضاءات‭ ‬بديلة‭ ‬للعرض‭ ‬والتكوين،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬المسرح‭ ‬فعلًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬يوميًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬أوسع،‭ ‬وكسر‭ ‬مركزية‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭.‬

لا‭ ‬يطمح‭ ‬عرض‭ ‬اماذا‭ ‬لو؟ب‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات‭ ‬نهائية،‭ ‬وإنما‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬إبقاء‭ ‬السؤال‭ ‬مفتوحًا‭. ‬وهذا‭ ‬ربما‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬قيمته‭ ‬الفنية‭ ‬والبحثية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬فهو‭ ‬عمل‭ ‬يذكّر‭ ‬بأن‭ ‬المسرح‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مختبرًا‭ ‬للأفكار،‭ ‬ومدرسة‭ ‬لتكوين‭ ‬الممثل،‭ ‬وفضاءً‭ ‬لاختبار‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬الركحية‭. ‬تبدو‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬وسط‭ ‬مشهد‭ ‬مسرحي‭ ‬يطغى‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬هاجس‭ ‬الإنتاج‭ ‬السريع،‭ ‬ضرورية‭ ‬لإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬باعتباره‭ ‬فعلًا‭ ‬معرفيًا‭ ‬وجماليًا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه؛‭ ‬فعلًا‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الخشبة‭ ‬مكانًا‭ ‬للتفكير،‭ ‬ومن‭ ‬الممثل‭ ‬باحثًا،‭ ‬ومن‭ ‬العرض‭ ‬ورشة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬إسدال‭ ‬الستار‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الملتقى‭ ‬الثقافي‭ ‬الحرّ‭  ‬بالحمامات‭:‬ لقاءات‭ ‬حول‭ ‬الأدب‭ ‬والتنوير‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيل‭”‬عز‭ ‬الدّين‭ ‬المعروفي‭”‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي في‭ ‬زمن‭ ‬تتكاثر‭ ‬فيه‭ ‬التظاهرات‭ ‬الثقافية‭ ‬العابر…