2026-08-10

مسرحية‭ “‬جاكاراندا‭” ‬لنزار‭  ‬السعيدي‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬الليلة‭ ‬بمهرجان‭ ‬الحمامات‭:‬ بحث‭ ‬جمالي‭ ‬ودرامي‭ ‬آسر‭ ‬في‭ ‬أعماق‭  ‬الشخصية‭ ‬التونسية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬كمال‭ ‬الشيحاوي

يبدو‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬إدارة‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬تحرص‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬تتحول‭ ‬البرمجة‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬السهرات‭ ‬الغنائية‭ ‬فقط،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬جاذبية‭ ‬النجوم‭ ‬وأهمية‭ ‬الأسماء‭ ‬المستضافة‭. ‬فالمسرح،‭ ‬الذي‭ ‬صنع‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬هذا‭ ‬الفضاء‭ ‬منذ‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يجد‭ ‬مكانه‭ ‬داخل‭ ‬البرمجة،‭ ‬وفاءً‭ ‬لتاريخ‭ ‬طويل‭ ‬مرّت‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬أهم‭ ‬التجارب‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬والعربية‭.‬ويأتي‭ ‬عرض‭ ‬اجاكارانداب‭ ‬المبرمج‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬الاربعاء‭ ‬5‭ ‬أوت‭ ‬ليؤكد‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يعيد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للخشبة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬المهرجان‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ “‬الهاربات‭” ‬لوفاء‭ ‬الطبوبي‭ ‬في‭ ‬الافتتاح‭.‬

لا‭ ‬يقدّم‭ ‬عرض‭ ‬اجاكارنداب‭ ‬حكاية‭ ‬تقليدية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يفتح‭ ‬أمام‭ ‬المتفرج‭ ‬فضاءً‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬مصائر‭ ‬البشر‭ ‬وأسئلتهم‭ ‬الوجودية‭. ‬فالعمل،‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الصورة‭ ‬المسرحية‭ ‬وكثافة‭ ‬الأداء،‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬يومية‭ ‬بسيطة‭ ‬ليصوغ‭ ‬رؤية‭ ‬إنسانية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المكان‭ ‬والزمان‭.‬

في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬وسط‭ ‬الخراب

وتقوم‭ ‬المسرحية‭  ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬عرضها‭  ‬في‭ ‬تونس‭  ‬وفي‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬بصري‭ ‬وشاعري‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬المسرحي‭ ‬شريكا‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬السرد،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬الإضاءة‭ ‬والسينوغرافيا‭ ‬والموسيقى‭ ‬إلى‭ ‬عناصر‭ ‬درامية‭ ‬فاعلة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الحوار‭. ‬وهي‭ ‬مقاربة‭ ‬تؤكد‭ ‬ما‭ ‬بلغته‭ ‬التجارب‭ ‬المسرحية‭ ‬التونسية‭ ‬المعاصرة‭ ‬من‭ ‬نضج‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬لغة‭ ‬العرض‭ ‬بوصفها‭ ‬خطابا‭ ‬متكاملا،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نص‭ ‬يُلقى‭ ‬فوق‭ ‬الركح‭.‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬العرض،‭ ‬منذ‭ ‬تقديمه‭ ‬الأول،‭ ‬اهتمام‭ ‬النقاد‭ ‬لما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬جمالية‭ ‬عالية،‭ ‬ولقدرته‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الشعرية‭ ‬البصرية‭ ‬والأسئلة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬الخطابة‭.‬

ولا‭ ‬يبدو‭ ‬اختيار‭ ‬اجاكارنداب‭ ‬قرارا‭ ‬معزولا،‭ ‬بل‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬سياسة‭ ‬اعتمدها‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الفنون،‭ ‬ومنح‭ ‬المسرح‭ ‬مكانته‭ ‬الطبيعية‭ ‬داخل‭ ‬التظاهرة‭.‬

فالركح‭ ‬التاريخي‭ ‬للحمامات‭ ‬شهد‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود‭ ‬أعمالا‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي،‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬الفاضل‭ ‬الجعايبي‭ ‬وفاضل‭ ‬الجزيري،‭ ‬إلى‭ ‬عروض‭ ‬توفيق‭ ‬الجبالي‭ ‬والمنصف‭ ‬السويسي‭ ‬وعز‭ ‬الدين‭ ‬قنون،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬واصلت‭ ‬تطوير‭ ‬لغة‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي‭ ‬وتجديد‭ ‬أدواته‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬الحمامات‭ ‬يوما‭ ‬مجرد‭ ‬فقرة‭ ‬ضمن‭ ‬البرنامج،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬مناسبة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬التجارب‭ ‬الجديدة‭ ‬ومتابعة‭ ‬التحولات‭ ‬الجمالية‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬المشهد‭ ‬المسرحي‭ ‬الوطني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬جمهور‭ ‬المهرجان‭ ‬يعتاد‭ ‬انتظار‭ ‬العروض‭ ‬المسرحية‭ ‬بنفس‭ ‬الحماس‭ ‬الذي‭ ‬ينتظر‭ ‬به‭ ‬الحفلات‭ ‬الموسيقية‭.‬

رسالة‭ ‬ثقافية‭ ‬تتجاوز‭ ‬البرمجة

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬حضور‭ ‬اجاكارنداب‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يبعثها‭ ‬المهرجان‭ ‬إلى‭ ‬جمهوره‭ ‬وإلى‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي‭. ‬ففي‭ ‬زمن‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬البرمجة‭ ‬تخضع‭ ‬أحيانا‭ ‬لمنطق‭ ‬الأسماء‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الجمهور،‭ ‬يظل‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬تخصيص‭ ‬مساحة‭ ‬للمسرح‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬التنوع‭ ‬الثقافي‭ ‬وعن‭ ‬وظيفة‭ ‬المهرجانات‭ ‬باعتبارها‭ ‬فضاءات‭ ‬للإبداع،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬منصات‭ ‬للفرجة‭ ‬السريعة‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬خصوصية‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات،‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬عبر‭ ‬تاريخه‭ ‬ملتقى‭ ‬للفنون‭ ‬المختلفة،‭ ‬ومختبرا‭ ‬للتجارب‭ ‬الجديدة،‭ ‬وفضاءً‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬الموسيقى‭ ‬والمسرح‭ ‬والرقص‭ ‬والسينما‭. ‬ومع‭ ‬عرض‭ ‬اجاكارنداب،‭ ‬يجدد‭ ‬المهرجان‭ ‬موعده‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مكونات‭ ‬هويته‭ ‬الثقافية،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬اجتذاب‭ ‬الجمهور،‭ ‬وعلى‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى‭ ‬أحيانا‭ ‬عن‭ ‬ملامستها‭. ‬وبين‭ ‬ظلال‭ ‬شجرة‭ ‬الجاكاراندا‭ ‬التي‭ ‬ترمز‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الثقافات‭ ‬إلى‭ ‬الجمال‭ ‬والتجدد،‭ ‬يجد‭ ‬المسرح‭ ‬التونسي‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة‭ ‬ليؤكد‭ ‬حضوره‭ ‬فوق‭ ‬ركح‭ ‬الحمامات،‭ ‬الركح‭ ‬الذي‭ ‬ظل،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود،‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬أحلامه‭ ‬وأسئلته‭ ‬وتحولاته‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في وداع حسن نصر… كاتبٌ عبر من الواقعي إلى الإنساني دون أن يفقد صوته

الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي برحيل حسن نصر، يوم 24 جويلية 2026 عن سن تناهز التاسعة والثمان…