2026-08-10

ماريزا‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭ ‬ حين‭ ‬يصبح‭ ‬الحنين‭ ‬موسيقى

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

أهدت‭ ‬البرتغالية‭ ‬ماريزا‭  ‬لجمهور‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬سهرة‭ ‬السبت‭ ‬1‭ ‬أوت‭ ‬2026،‭ ‬أنخابا‭ ‬من‭ ‬الفنّ‭ ‬الرفيع‭ .  ‬وأضافت‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬المهرجان‭ ‬اسما‭ ‬جديدا‭ ‬ستحتفظ‭ ‬بغنائه‭ ‬على‭ ‬ركحه‭ ‬طويلا‭.‬

في‭ ‬عتمة‭ ‬المسرح‭ ‬وتحت‭ ‬إضاءة‭ ‬خفيفة‭ ‬لا‭ ‬تبرز‭ ‬إلا‭ ‬عازفا‭ ‬كان‭ ‬ينقر‭ ‬على‭ ‬أوتار‭ ‬الغيتار‭ ‬البرتغالي‭ ‬ذي‭ ‬الأوتار‭ ‬الاثني‭ ‬عشر‭ ‬منفردا،‭ ‬دخلت‭ ‬ماريزا‭  ‬وبدأت‭ ‬في‭ ‬الغناء‭. ‬بدت‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬ظلا‭ ‬رشيقا‭ ‬بحنجرة‭ ‬قوية،‭ ‬كأنّ‭ ‬ما‭ ‬يهمّ،‭ ‬بهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬السينوغرافية‭ ‬هو‭ ‬الصوت‭ ‬والموسيقى‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬ظلال‭ ‬ما‭. ‬الصوت‭ ‬والموسيقى‭ ‬اللذان‭ ‬يصنعان‭ ‬النور‭. ‬وحين‭ ‬أضاءها‭ ‬الضوء‭ ‬بدت‭ ‬كما‭ ‬حورية‭ ‬بثوبها‭ ‬المرصّع‭ ‬بالأصداف‭ ‬وبالأوشام‭ ‬على‭ ‬جسدها‭ ‬وبشعرها‭ ‬الحليق‭ ‬بالكاد،‭ ‬حورية‭ ‬من‭ ‬لشبونة‭ ‬ومن‭ ‬شوارعها‭ ‬التّي‭ ‬تضجّ‭ ‬بموسيقى‭ ‬الفادو‭. ‬وهي‭ ‬موسيقى‭ ‬أشبه‭ ‬بخليط‭ ‬من‭ ‬الأوشام‭ ‬المحفورة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬مدينة‭ ( ‬لشبونة‭) ‬وفي‭ ‬ذاكرة‭ ‬بلد‭ ( ‬البرتغال‭): ‬أوشام‭ ‬وتأثيرات‭ ‬افريقية‭ ‬برازيلية‭ ‬ومن‭ ‬العمق‭ ‬البرتغالي‭  ‬اختلطت‭ ‬مع‭ ‬غناء‭ ‬وأشواق‭ ‬البحارة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬ينطلقون‭ ‬لاكتشافات‭ ‬كبرى‭ ‬قد‭ ‬تعصف‭ ‬بأقدارهم‭. ‬يعني‭ ‬الفادو‭ ‬القدر‭. ‬ويرتبط‭ ‬بكلمة‭ ‬برتغالية‭  ‬أخرى‭ ” ‬سوداد‭ ‬saudade‭”‬،‭ ‬تستعصي‭ ‬على‭ ‬الترجمة،‭ ‬إذ‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬المشاعر،‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ” ‬الكآبة‭ ‬البهيجة‭” ‬،‭ ‬أو‭ ” ‬حضور‭ ‬الغياب‭” ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬شاعر‭ ‬البرتغال‭ ‬الكبير‭ ‬فرناندو‭ ‬بيسوا،‭ ‬وعموما‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬فقدان‭ ‬كائن‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬أو‭ ‬زمن‭ ‬لن‭ ‬يعود‭ ‬وما‭ ‬يخلّفه‭ ‬من‭ ‬شجن‭.‬

كانت‭ ‬ماريزا‭ ‬تقدّم‭ ‬لكلّ‭ ‬أغنية‭ ‬بحديث‭ ‬وبمقدّمات‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تاريخها‭ ‬الشخصي‭ ‬وعن‭ ‬حكاياها‭ ‬وفهمها‭ ‬للموسيقى‭ ‬وللحياة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البوح‭ ‬اللطيف‭ ‬قالت‭ ‬أنّها‭ ‬منذ‭ ‬ألبومها‭ ‬الأول‭ ” ‬الفادو‭ ‬وأنا‭ ‬The fado and me‭” ‬كانت‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬ابهاج‭ ‬أبيها‭ ‬المحبّ‭ ‬لهذا‭ ‬الفن‭  ‬والشغوف‭ ‬به‭ ‬ولكن‭ ‬الحياة‭ ‬وكما‭ ‬تفعل‭ ‬دائما‭ ‬قادتها‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬أخرى‭ ‬حتّى‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭  ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الجميل‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬الحمامات‭. ‬غنّت‭ ‬ماريزا‭ ‬عن‭ ‬الشوق‭ ‬والحنين‭ ‬والحب،‭ ‬ليس‭ ‬الحب‭ ‬الجسدي‭ ‬ولكن‭ ‬الحبّ‭ ‬في‭ ‬مفهومه‭ ‬الأعمّ‭. ‬قالت‭ ‬أنّ‭  ‬الحبّ،‭ ‬هو‭ ‬عنوان‭ ‬ألبومها‭ ‬القادم،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الألبوم‭ ‬غنّت‭ ‬أغنية‭ ‬تبدأ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭:” ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬أحبّك‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬العمر،‭ ‬من‭ ‬الممكن‭..”.‬

كأنّ‭ ‬الحبّ‭ ‬استعارة‭ ‬عن‭ ‬الوجود،‭ ‬ممكنٌ‭ ‬نرجئه‭ ‬دائما‭ ‬ومدار‭ ‬ننجذب‭ ‬إليه،‭ ‬منه‭ ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الموسيقى‭ ‬وتنتهي‭ ‬إليه‭. ‬وعن‭ ‬الموسيقي‭ ‬قالت‭ ‬ماريزا‭ ‬أنّها‭ ‬حبّ‭ ‬صاف،‭ ‬أخذ‭ ‬وعطاء،‭ ‬وأنّها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬تحس‭ ‬بالجمهور‭ ‬حتّى‭ ‬تعطيه‭. ‬لذلك‭ ‬قرّبت‭ ‬كرسيها‭ ‬من‭ ‬مقدّمة‭ ‬الركح‭ ‬وغنّت‭ ‬من‭ ‬هناك،‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬القرب،‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الدفء‭ ‬والحميمية‭. ‬كما‭ ‬صعدت‭ ‬بين‭ ‬المدارج‭ ‬لتكون‭ ‬وسط‭ ‬الجمهور،‭ ‬كأنّها‭ ‬تذّكر‭ ‬بأنّ‭  ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬الموسيقى‭ ‬الذّي‭ ‬صار‭ ‬رديفا‭ ‬لاسم‭ ‬البرتغال،‭ ‬منشؤه‭ ‬ومكانه‭ ‬الطبيعي‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬وحيث‭ ‬تهدر‭ ‬الحياة‭. ‬

قالت‭ ‬ماريزا‭ ‬أنّها‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬المستعمرة‭ ‬البرتغالية‭ ‬القديمة‭: ‬الموزنبيق‭ ‬من‭ ‬أب‭ ‬برتغالي‭  ‬جدّا‭ ‬ومن‭ ‬أمّ‭ ‬موزنبيقية‭ ‬داكنة‭ ‬البشرة،‭ ‬داكنة‭ ‬جدّا،‭ ‬ثمّ‭ ‬انتقلت‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬لشبونة‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬الثالثة‭. ‬ونشأت‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬ولادة‭ ‬فن‭ ‬الفادو،‭ ‬حيث‭ ‬مطعم‭ ‬العائلة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الشارع،‭ ‬من‭ ‬أجوائه‭ ‬وحكاياه‭ ‬وصخبه‭ ‬صاغت‭ ‬موسيقاها،‭ ‬وأعطت‭ ‬أنفاسا‭ ‬جديدة‭ ‬لهذا‭ ‬التقليد‭ ‬الغنائي‭ ‬الذّي‭ ‬حوّل‭ ‬أشجان‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬قِطَعٍ‭ ‬من‭ ‬البهجة‭ ‬وقصصهم‭ ‬إلى‭ ‬شعْر‭. ‬الأشجان‭ ‬تقولها‭ ‬الايقاعات‭ ‬البطيئة‭ ‬والبهجة‭ ‬تقولها‭ ‬الايقاعات‭ ‬السريعة،‭ ‬وما‭ ‬بينهما‭ ‬كان‭ ‬صوت‭ ‬ماريزا‭ ‬يتنقّل‭ ‬بين‭ ‬الطبقات‭  ‬مشبعا‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الفردية‭ ‬والعائلية‭ ‬والجماعية‭ ‬من‭ ‬أوشام‭ ‬ومن‭ ‬أصداف‭ ‬ولآلىء‭. ‬

ستبقى‭ ‬سهرة‭ ‬ماريزا‭  ‬وشما‭ ‬جميلا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬مهرجان‭ ‬ونَخْبًا‭ ‬رُفع‭  ‬عاليا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الفن‭ ‬والحب‭ ‬والموسيقى‭ ‬والثقافة‭. ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬قالته‭ ‬هي‭ ‬وهي‭ ‬ترفع‭ ‬الكأس‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشرب‭ ‬منها‭ ‬الماء،‭ ‬تحيّة‭ ‬للجمهور،‭ ‬وذاك‭ ‬ما‭ ‬كان‭. 

‫شاهد أيضًا‬

سليف‭ ‬كايتا‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي حـين‭ ‬يـتحوّل‭ ‬الركـح‭ ‬إلى‭ ‬ســاحة‭ ‬عـُرْسٍ‭ ‬مـُبـْهِجٍ

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي أوفت‭ ‬سهرة‭ ‬الجمعة‭ ‬31‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭  ‬في‭ ‬إطار‭ …