2026-08-10

سليف‭ ‬كايتا‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي حـين‭ ‬يـتحوّل‭ ‬الركـح‭ ‬إلى‭ ‬ســاحة‭ ‬عـُرْسٍ‭ ‬مـُبـْهِجٍ

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

أوفت‭ ‬سهرة‭ ‬الجمعة‭ ‬31‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭  ‬في‭ ‬إطار‭ ‬فعاليات‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬أمّنها‭ ‬المغنّي‭ ‬المالي‭ ‬ذي‭ ‬الصيت‭ ‬العالمي‭ ‬بوعودها،‭ ‬فلقد‭ ‬كانت‭ ‬أشبه‭ ‬باحتفالية‭ ‬تليق‭ ‬بمهرجان‭ ‬يحتفل‭ ‬بستين‭ ‬سنة‭ ‬مرّت‭ ‬على‭ ‬انشائه،‭ ‬وتؤكد‭ ‬على‭ ‬خصوصيته‭ ‬باعتباره‭ ‬مساحة‭ ‬لاكتشاف‭ ‬موسيقات‭ ‬العالم‭.‬

هكذا‭ ‬أراده‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬الحبيب‭ ‬بورقيبة‭ ‬حين‭ ‬دشّن‭ ‬مسرح‭ ‬الحمامات‭ ‬في‭ ‬31‭ ‬جويلية‭ ‬1964،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬ستين‭ ‬سنة‭ ‬تعاقب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المسرح‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬البحر،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬دلالة‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬وعلى‭ ‬المغامرة،‭ ‬فنّانون‭ ‬وموسيقيون‭ ‬ومسرحيون‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬القارات‭ ‬قدّموا‭ ‬فنّهم‭ ‬وأنغامهم‭ ‬على‭ ‬ركحه‭ ‬المليء‭ ‬بأنفاسهم،‭ ‬حتّى‭ ‬وإن‭ ‬غادر‭ ‬بعضهم‭: ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عياد،‭ ‬جماعة‭ ‬المسرح‭ ‬الجديد،‭ ‬إمير‭ ‬كوستاريكا،‭ ‬زياد‭ ‬رحباني،‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة،‭ ‬ظافر‭ ‬يوسف‭..‬

وبهذه‭ ‬المناسبة‭ ‬أشرفت‭ ‬وزيرة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬السيدة‭ ‬أمينة‭ ‬الصرارفي‭ ‬على‭ ‬افتتاح‭ ‬معرض‭ ‬ستّينيّة‭ ‬المهرجان‭ ‬بحضور‭ ‬والية‭ ‬نابل‭ ‬السيّدة‭ ‬هناء‭ ‬شوشاني،‭ ‬المقام‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬التي‭ ‬تستقبل‭ ‬الزائر‭ ‬قبل‭ ‬صعود‭ ‬المدارج‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭. ‬عشرة‭ ‬شاشات‭ ‬عملاقة‭ ‬تروي‭ ‬قصّة‭ ‬المهرجان‭ ‬من‭ ‬المديرين‭ ‬الذين‭ ‬أشرفوا‭ ‬عليه‭ ‬إلى‭ ‬الفنّانين‭ ‬التونسيين‭ ‬والعرب‭ ‬والأجانب‭ ‬الذين‭ ‬صعدوا‭ ‬على‭ ‬ركحه‭ ‬إلى‭ ‬المعلّقات‭ ‬التي‭ ‬تحكي‭ ‬تاريخه‭ ‬وروحيّة‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬أنجزت‭ ‬فيه‭. ‬كما‭ ‬احتفى‭ ‬المهرجان‭ ‬بالتلفزة‭ ‬الوطنية‭ ‬التي‭ ‬تحتفل‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬بستينيتها‭ ‬باعتبارها‭ ‬شريكا‭ ‬وحافظا‭ ‬لذاكرة‭ ‬المهرجان‭. ‬وكذلك‭ ‬بالجمهور،‭ ‬في‭ ‬تفاعله‭ ‬وحضوره،‭ ‬تأكيدا‭  ‬لشعار‭ ‬المهرجان‭: ” ‬ذاكرة‭ ‬تعيش‭”. ‬

ولعلّ‭ ‬المغنّي‭ ‬المالي‭ ‬سليف‭ ‬كايتا‭  ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬موسيقاه‭ ‬من‭ ‬التمسّك‭ ‬بالارث‭ ‬الافريقي‭ ‬الموسيقي‭ ‬وبالانفتاح‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬العصر‭ ‬ومن‭ ‬الحس‭ ‬الانساني‭ ‬باعتباره‭ ‬مدافعا‭ ‬عن‭ ‬المصابين‭ ‬بالمهق‭ ‬مثله،‭ ‬خيْرُ‭ ‬من‭ ‬يعتلي‭ ‬ركح‭ ‬مهرجان‭ ‬بلغ‭ ‬طور‭ ‬النضج‭ ‬واغتنى‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬راكمه‭ ‬من‭ ‬اكتشافات‭. ‬وخيرُ‭ ‬من‭ ‬يؤكّد‭ ‬على‭ ‬رسالة‭ ‬المهرجان‭.‬

وواكبت‭ ‬الحفل‭ ‬السيدة‭ ‬أمينة‭ ‬الصرارفي‭ ‬وزيرة‭ ‬الشؤون‭ ‬الثقافية‭ ‬مصحوبة‭ ‬بوالية‭ ‬نابل‭ ‬السيدة‭ ‬هناء‭ ‬شوشاني‭ ‬وبسعادة‭ ‬سفير‭ ‬جمهورية‭ ‬مالي‭ ‬بتونس‭ ‬السيد‭ ‬سورو‭ ‬سي‭ ‬وبسعادة‭ ‬سفير‭ ‬جمهورية‭ ‬السنغال‭ ‬بتونس‭ ‬السيد‭ ‬مصطفى‭ ‬سو‭ ‬وبسعادة‭ ‬جمهورية‭ ‬بوركينا‭ ‬فاسو‭ ‬بتونس‭ ‬السيّد‭ ‬سوادوغو‭.‬

‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬قرابة‭ ‬الساعة‭ ‬وأربعين‭ ‬دقيقة‭ ‬تمازجت‭ ‬الايقاعات‭ ‬والنغمات‭ ‬والأصوات‭ ‬في‭ ‬خلطة‭ ‬سحريّة‭ ‬تبدأ‭ ‬وتنتهي‭ ‬عند‭ ‬سليف‭ ‬كايتا‭ ‬الموسيقي‭ ‬المنتمي‭ ‬لسلالة‭ ‬من‭ ‬النبلاء‭ ‬الافريقيين‭ ‬والحافظ‭ ‬للإرث‭ ‬الموسيقي‭ ‬الماندينغي‭. ‬بهدوء‭ ‬وأناقة‭ ‬المعلّمين‭ ‬الكبار‭ ‬دخل‭ ‬إلى‭ ‬المسرح‭ ‬وجلس‭ ‬على‭ ‬كرسيه‭. ‬تكلّم‭ ‬مازحا‭ ‬وقال‭ ‬أنّه‭ ‬أيضا‭ ‬تونسي‭ ‬فلقد‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬وسام‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الثقافي‭ ‬منذ‭ ‬سبع‭ ‬سنوات،‭ ‬كما‭ ‬اعتذر‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الغناء‭ ‬واقفا‭. ‬بدا‭ ‬الرجل‭ ‬السبعيني‭ ( ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬أوت‭ ‬1949‭)‬،‭ ‬للمفارقة،‭ ‬محتفظا‭ ‬بنضارة‭ ‬صوته‭ ‬وبوهج‭ ‬أحاسيسه‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬بالغناء‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬أداء‭ ‬وتقنية‭ ‬إلى‭ ‬طقس‭ ‬روحي‭ ‬يمتدّ‭ ‬عميقا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬خصبة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬الذّي‭ ‬يمدّ‭ ‬فيه‭ ‬وشائج‭ ‬مع‭ ‬روح‭ ‬العصر‭. ‬حتّى‭ ‬كأنّ‭ ‬موسيقاه‭ ‬بقدرتها‭ ‬أن‭ ‬تمسك‭ ‬بالأنفاس‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬جمهورا‭ ‬من‭ ‬جنسيات‭ ‬وآفاق‭ ‬مختلفة‭ ‬يرقص‭ ‬على‭ ‬ايقاعاتها‭ ‬الهادئة‭ ‬الهادرة‭.‬

شاركت‭  ‬سليف‭ ‬كايتا‭ ‬الغناء‭ ‬مغنّيتان،‭ ‬إحداهما،‭ ‬ذات‭ ‬الثوب‭ ‬الأبيض،‭ ‬تملك‭ ‬صوتا‭ ‬قويّا‭ ‬بطبقات‭ ‬عالية،‭ ‬ترتقي‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مقامات‭ ‬ومستويات‭ ‬أبعد‭. ‬كما‭ ‬أنّ‭  ‬العازفين‭ ‬على‭ ‬البيانو‭ ‬وعلى‭ ‬القيتار‭ ‬وعلى‭ ‬الطبول‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬مجرّد‭ ‬مؤدين‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬صنّاعا‭ ‬للبهجة‭ ‬والمتعة‭. ‬تُركت‭ ‬لهم‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العزف‭ ‬المنفرد‭. ‬وهم‭ ‬يعزفون‭ ‬كانوا‭ ‬يقتربون‭ ‬من‭ ‬المعلّم‭ ‬الكبير‭ ‬سليف‭ ‬كايتا‭ ‬ومن‭ ‬الجمهور،‭ ‬مثل‭ ‬من‭ ‬يسأل‭ ‬هل‭ ‬يبهجك‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬العزف؟

وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬الحفل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬النحو‭ ‬من‭ ‬الوحدة‭ ‬بين‭ ‬الموسيقيين‭ ‬وبين‭ ‬الجمهور،‭  ‬الذي‭ ‬نزل‭ ‬إلى‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ ‬الحمامات‭ ‬المفتوح،‭ ‬على‭ ‬أنغام‭ ‬أغنية‭ ” ‬مادان‭ ‬Madan‭”. ‬وأن‭ ‬يتحوّل‭ ‬الركح‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬عرْس‭ ‬مُبهج‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

حفل‭ ‬بوينا‭ ‬فيستا‭ ‬أوركسترا‭ ‬الكوبية‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي موسيقى‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬والذّاكرة

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي سهرة‭ ‬الاثنين‭ ‬28‭ ‬جويلية‭ ‬2026‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ …