2026-08-04

مارسال‭ ‬خليفة‭  ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭:‬ الأغــانـي‭ ‬فـاكـهـةٌ‭ … ‬والـمــوسـيـقـى‭ ‬ذَهـَبْ

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي

لم‭ ‬تكن‭ ‬سهرة‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬ليل‭ ‬الجمعة‭ ‬24‭ ‬جويلية‭  ‬على‭ ‬ركح‭  ‬مسرح‭ ‬الهواء‭ ‬الطلق‭ ‬بالحمامات‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي‭ ‬سهرة‭ ‬حنين‭ ‬استعاد‭ ‬فيها‭ ‬أغنياتٍ‭ ‬علاماتٍ،‭ ‬بل‭  ‬حملت‭ ‬جديدا‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬والمقطوعات‭ ‬الموسيقية‭ ‬الصامتة‭.‬

لم‭ ‬يفقد‭ ‬صوت‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬نضارته‭. ‬بنفس‭ ‬القوة‭ ‬والشجن‭ ‬والعذوبة‭  ‬كان‭ ‬يتّبع‭ ‬موجته‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكسرها‭ ‬العواصف،‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬ويحدث‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وفلسطين‭. ‬بدأ‭ ‬السهرة‭  ‬بأغنية‭ “: ‬يطير‭ ‬الحمام،‭ ‬يحطّ‭ ‬الحمام‭ “(  ‬أعدّي‭ ‬لي‭ ‬الأرض‭ ‬كي‭ ‬أستريح‭ ‬غ‭ ‬فإنّي‭ ‬أحبّك‭ ‬حتى‭ ‬التعبْغ‭ ‬صباحك‭ ‬فاكهة‭ ‬للأغانيغ‭ ‬وهذا‭ ‬المساء‭ ‬ذهبْغ‭ ‬ونحن‭ ‬لنا‭ ‬حين‭ ‬يدخلُ‭ ‬ظلٌّ‭ ‬إلى‭ ‬ظلّه‭ ‬في‭ ‬الرخامغ‭ ‬وأشبه‭ ‬نفسي‭ ‬حين‭ ‬أعلّق‭ ‬نفسيغ‭ ‬على‭ ‬عنقٍ‭ ‬لا‭ ‬تُعانق‭ ‬غير‭ ‬الغمامغ‭ ‬وأنت‭ ‬الهواءُ‭ ‬الذي‭ ‬يتعرّى‭ ‬أمامي‭ ‬كدمع‭ ‬العنبْغ‭ ‬وأنت‭ ‬بدايةُ‭ ‬عائلة‭ ‬الموجغ‭ ‬حين‭ ‬تشبّث‭ ‬بالبرّ،‭ ‬حين‭ ‬اغتربْغ‭ ‬أنت‭ ‬بداية‭ ‬روحي،‭ ‬وأنت‭ ‬الختامُغ‭ ‬يطيرُ‭ ‬الحمامُغ‭ ‬يحطُّ‭ ‬الحمامُ‭..).‬

ثمّ‭ ‬غنّى‭ ” ‬في‭ ‬البال‭ ‬أغنية‭” (  ‬في‭ ‬البال‭ ‬أغنية‭ ‬يا‭ ‬أختُ،‭ ‬عن‭ ‬بلديغ‭ ‬نامي‭ ‬لأكتبها،‭ ‬رأيت‭ ‬جسمك‭ ‬محمولا‭ ‬على‭ ‬الزردغ‭ ‬وكان‭ ‬يرشح‭ ‬ألوانا‭ ‬فقلت‭ ‬لهم‭:‬غ‭ ‬جسمي‭ ‬هناك‭ ‬فسدّوا‭ ‬ساحة‭ ‬البلد‭..) . ‬ثمّ‭ ‬فسح‭ ‬المجال‭ ‬لابنه‭ ‬سالي‭ ‬خليفة‭ ‬ليعزف‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬التشيلو‭ ‬مقطوعة‭ ‬صامتة‭ ‬بعنوان‭ ” ‬صلاة‭ ” ‬تحية‭ ‬لأبطال‭ ‬وشهداء‭ ‬غزّة‭ ‬والجنوب‭ ‬اللبناني‭. ‬وقال‭ ‬مارسال‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬المقطوعة‭ ‬أنّه‭ ‬قدم‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬منكوب،‭ ‬حيث‭ ‬دمّر‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬70‭  ‬قرية‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬وتسبّب‭ ‬في‭ ‬نزوح‭ ‬مليون‭ ‬لاجئ‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭. ‬ولعلّ‭ ‬المقطوعة‭ ‬الصامتة‭ ‬أكثر‭ ‬بلاغة‭ ‬من‭ ‬صخب‭ ‬الكلام‭ ‬كي‭ ‬تمسك‭ ‬بارتعاشات‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يقاوم،‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يموت‭.‬

وتلا‭ ‬ذلك‭ ‬غناؤه‭ ‬لأغنيته‭ ‬الأيقونية‭ ” ‬بين‭ ‬ريتا‭ ‬وعيوني‭ ‬بندقية‭”. ‬وغنّى‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬جديده‭ ‬أغنيتان‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬درويش‭:   ‬أغنية‭  “‬خبّئيني‭ ‬،‭ ‬أتى‭ ‬القمرغ‭ ‬ليت‭ ‬مرآتانا‭ ‬حجرْ‭..”‬،‭ ‬وأغنية‭ “  ‬انتظرها‭” ( ‬بكوب‭ ‬الشراب‭ ‬المرصّع‭ ‬باللازورد‭ ‬انتظرهاغ‭ ‬على‭ ‬بركة‭ ‬الماء‭ ‬حول‭ ‬المساء‭ ‬وعطر‭ ‬الكولونيا‭ ‬انتظرهاغ‭ ‬بذوق‭ ‬الأمير‭ ‬الرفيع‭ ‬البديع‭ ‬انتظرها‭..”). ‬وعن‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬قال‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة‭ ‬أنّ‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غادر‭ ‬إلى‭ ‬باريس‭  ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الثمانيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭  ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬المقاومة‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬كان‭ ‬يهاتفه‭ ‬ويسأل‭ ‬هل‭ ‬قرأت‭ ” ‬انتظرها‭”‬،‭ ‬معلنا‭ ‬عن‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تلحّن‭ ‬القصيدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تمّ‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭. ‬تماما‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬أغنية‭ ” ‬أحنّ‭ ‬إلى‭ ‬خبز‭ ‬أمّي‭” ‬التي‭ ‬لحنّها‭ ‬مارسال‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬أمّه‭.‬

غادر‭ ‬العازفون‭ ‬الثلاثة‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬اللأكورديون‭ ‬والتشلو‭ ‬والفليت‭ ‬وبقى‭ ‬مرسال‭ ‬خليفة‭ ‬وحيدا‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬الركح‭ ‬محاطا‭ ‬بأجهزة‭ ‬الضوء‭. ‬غنّى‭ ‬بلوعة‭ ‬الفقدان‭ ‬والحنين‭ ‬الذّين‭ ‬لم‭ ‬يبرأ‭ ‬منهما،‭  ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬يحفظها‭ ‬الجميع‭ ‬كما‭ ‬تُحفظ‭ ‬الصلوات‭: ” ‬أحنّ‭ ‬إلى‭ ‬خبز‭ ‬أمّي‭”. ‬كأنّه‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬الطفولة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دار‭ ‬الزمان‭ ‬دورته‭ ‬العربية‭ ‬وأعادنا‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬نقطة‭ ‬البدء‭.‬

دام‭ ‬عرض‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬مسرح‭ ‬الحمامات‭ ‬قرابة‭ ‬الساعتين،‭ ‬أتاح‭ ‬نصف‭ ‬الساعة‭ ‬الأخير‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬عازفين‭ ‬شبّان‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬اشتركوا‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬الاقامة‭ ‬الفنية‭ ” ‬نجع‭ ‬الفن‭” ‬بدوز‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬الماضي‭. ‬بهدوء‭ ‬وبهيبة‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬معلّم‭ ‬موسيقي‭ ‬كبير‭ ‬التحق‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشبان‭ ( ‬ثلاث‭ ‬شابات‭ ‬يعزفن‭  ‬على‭ ‬آلتي‭ ‬كمنجة‭ ‬وعود‭ ‬وشابان‭ ‬يعزفان‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬والدربوكة‭)  ‬بمارسال‭ ‬على‭ ‬الركح‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬إليه‭ ‬أيضا‭ ‬العازفون‭ ‬الثلاثة‭ ‬الذين‭ ‬أمّنوا‭  ‬معه‭ ‬السهرة‭. ‬وبدا‭ ‬أنّ‭ ‬الشبان‭ ‬التونسيين‭ ‬جديرون‭ ‬بالفرصة‭ ‬التي‭ ‬وفّرها‭ ‬لهم‭ ‬مارسال‭ ‬،‭ ‬فقد‭ ‬عزفوا‭ ‬فرادى‭ ‬و‭ ‬جماعةً‭ ‬بشغف‭ ‬وتمكّن‭ ‬المقطوعة‭ ‬الصامتة‭ ” ‬تانغو‭ ‬لتشي‭ ‬غيفارا‭” ‬و‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬يقفل‭ ‬بها‭  ‬مارسال‭ ‬كل‭ ‬عروضه‭” ‬يا‭ ‬بحرية‭ ‬هيلا‭ ‬هيلا‭”.‬

‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ” ‬في‭ ‬البال‭ ‬أغنية‭” ‬لمارسال‭ ‬خليفة‭ ‬كان‭ ‬الجمهور‭ ‬غفيرا،‭ ‬التصق‭ ‬ببعضه‭ ‬حتّى‭ ‬أنّ‭ ‬المساحة‭ ‬بين‭ ‬المقاعد‭ ‬قد‭ ‬فاضت‭ ‬به‭. ‬جمهور‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬الأعمار‭ ‬أتى‭ ‬كي‭ ‬يسمع‭ ‬موسيقى‭ ‬عذبة‭ ‬عظيمة‭ ‬و‭ ‬شعرا‭ ‬رفيعا،‭ ‬وسط‭ ‬كلّ‭ ‬هذا‭ ‬الهبوط‭ ‬والغثاثات‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بنا‭ ‬كي‭ ‬تفسد‭ ‬الروح،‭ ‬الروح‭ ‬العربيّة‭ ‬المعطوبة‭.‬

وربّما‭ ‬كان‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬مارسال‭ ‬خليفة‭ ‬كي‭ ‬نتذّكر‭ ‬أنّ‭ ‬الفن‭ ‬التزام‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الأمريكي‭ ‬بيغ‭ ‬دادي‭ ‬ولسون‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬مهرجان‭ ‬الحمامات‭ ‬الدولي البلوز‭ ‬يقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬وكلّ‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬هو‭ ‬الحب

‭ ‬الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الهلالي ‭  ‬دخل‭ ‬مغني‭ ‬البلوز‭ ‬الأمريكي‭ ‬بيغ‭ ‬دادي‭ ‬ولس…