2026-08-14

مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬ ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬ذاكرة‭ ‬الطرب‭.. ‬ومحمد‭ ‬خيري‭ ‬رهان‭ ‬المستقبل

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬

في‭ ‬دورته‭ ‬الستين‭ ‬اختار‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يستعيد‭ ‬جانبا‭ ‬من‭ ‬ذاكرته‭ ‬الموسيقية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سهرة‭ ‬جمعت‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬6‭ ‬أوت‭ ‬2026‭ ‬بين‭ ‬صوتين‭ ‬سوريين‭ ‬ينتميان‭ ‬إلى‭ ‬جيلين‭ ‬مختلفين‭ ‬هما‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬ومحمد‭ ‬خيري‭.. ‬لقاء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬استعادة‭ ‬لأغنيات‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بل‭ ‬بدا‭ ‬أيضا‭ ‬كأنه‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬زمنين‭: ‬زمن‭ ‬الأغنية‭ ‬العربية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الفنانة‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أصواتها،‭ ‬وجيل‭ ‬جديد‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬مواصلة‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بصوت‭ ‬مختلف‭ ‬يمثله‭ ‬الفنان‭ ‬محمد‭ ‬خيري‭.‬

يحمل‭ ‬الحضور‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬قرطاج‭ ‬ذاكرة‭ ‬خاصة‭ ‬ارتبطت‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬بأسماء‭ ‬تركت‭ ‬بصمتها‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬المهرجان‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬صباح‭ ‬فخري‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬القدود‭ ‬الحلبية‭ ‬والطرب‭ ‬الأصيل‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الموسيقي‭ ‬على‭ ‬ركح‭ ‬قرطاج‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬جاءت‭ ‬سهرة‭ ‬الدورة‭ ‬60‭ ‬لتطرح‭ ‬سؤالا‭ ‬يتجاوز‭ ‬استعادة‭ ‬الماضي‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لهذا‭ ‬التراث‭ ‬أن‭ ‬يواصل‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬وأن‭ ‬يجد‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؟

في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬السهرة‭ ‬اعتلى‭ ‬محمد‭ ‬خيري‭  ‬الركح‭ ‬الأثري‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬مقدما‭ ‬عمله‭ ‬الجديد‭ “‬وجهة‭ ‬نظر‭” ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬المدونة‭ ‬الطربية‭ ‬العربية‭ ‬واختار‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ “‬لما‭ ‬بدا‭ ‬يتثنى‭” ‬ثم‭ ‬غنى‭ “‬سيبوني‭ ‬يا‭ ‬ناس‭” ‬و‭”‬قدك‭ ‬المياس‭” ‬و‭”‬آه‭ ‬يا‭ ‬حلو‭” ‬و‭”‬ابعثلي‭ ‬جواب‭” ‬مستندا‭ ‬إلى‭ ‬خامة‭ ‬صوتية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المقامات‭ ‬والقدود‭ ‬الحلبية‭.‬

ولم‭ ‬يكن‭ ‬حضور‭ ‬خيري‭ ‬مجرد‭ ‬استعادة‭ ‬لأغاني‭ ‬الماضي‭ ‬فقد‭ ‬بدا‭ ‬في‭ ‬اختياراته‭ ‬وأدائه‭ ‬واعيا‭ ‬بأن‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الطرب‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تجميده،‭  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬تجربته‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬باعتباره‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬معاصر‭  ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬أصوله،‭ ‬وبقيادة‭ ‬المايسترو‭ ‬مازن‭ ‬زوايدي‭ ‬قدم‭ ‬خيري‭ ‬أداء‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬صلة‭ ‬واضحة‭ ‬بالمدرسة‭ ‬الحلبية‭ ‬مستفيدا‭ ‬من‭ ‬خبرة‭ ‬فنية‭ ‬تسمح‭ ‬له‭ ‬بالتنقل‭ ‬بين‭ ‬المقامات‭ ‬والأنماط‭ ‬الطربية‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬محمد‭ ‬خيري‭ ‬باعتباره‭ ‬أحد‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬المستقبل‭ ‬المشرق‭ ‬للطرب‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬لأنه‭ ‬يكرر‭ ‬ما‭ ‬قدمه‭ ‬السابقون‭ ‬الى‭ ‬المجال‭ ‬الفني‭ ‬وإنما‭ ‬لأنه‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬هذا‭ ‬الخط‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تغيرت‭ ‬فيه‭ ‬أنماط‭ ‬الاستماع‭ ‬وتبدلت‭ ‬فيه‭ ‬الذائقة‭ ‬الموسيقية‭. ‬فالمستقبل‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬القطيعة‭ ‬مع‭ ‬الماضي‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬تقديمه‭ ‬بلغة‭ ‬أداء‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أجيال‭ ‬جديدة‭. ‬وفي‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬السهرة‭ ‬كانت‭ ‬الفنانة‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬جمهور‭ ‬مهرجان‭ ‬قرطاج‭ ‬بعد‭ ‬غياب‭ ‬دام‭ ‬21‭ ‬سنة،‭ ‬وبقيادة‭ ‬المايسترو‭ ‬يوسف‭ ‬بالهاني‭ ‬قدمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬أعمالها‭ ‬من‭ ‬بينها‭ “‬أنا‭ ‬مخلصالك‭” ‬و‭”‬أنا‭ ‬بعشقك‭” ‬و‭” ‬شمس‭” ‬و‭”‬الحب‭ ‬اللي‭ ‬كان‭” ‬و‭”‬فاتت‭ ‬سنة‭”. ‬وتمثل‭ ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأغنية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬فمنذ‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمها‭ ‬بالأغنية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬وبعدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الملحنين‭ ‬والشعراء‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الموسيقار‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬وبليغ‭ ‬حمدي،‭ ‬وقد‭ ‬استطاعت‭ ‬خلال‭ ‬مسيرتها‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬الأغنية‭ ‬العاطقية‭ ‬الطويلة‭ ‬القائمة‭ ‬وعلى‭ ‬الكلمة‭ ‬واللحن‭ ‬والأداء‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬المشهد‭ ‬الغنائي‭ ‬العربي‭.‬

ولذلك‭ ‬كان‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬قرطاج‭ ‬استعادة‭ ‬لفصل‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الأغنية‭ ‬العربية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬مجرد‭ ‬عودة‭ ‬لفنانة‭ ‬إلى‭ ‬ركح‭ ‬غابت‭ ‬عنه‭ ‬لسنوات،‭ ‬فأغان‭  ‬مثل‭ “‬أنا‭ ‬بعشقك‭” ‬و‭”‬الحب‭ ‬اللي‭ ‬كان‭” ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بزمن‭ ‬إنتاجها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الغنائية‭ ‬لجمهور‭ ‬عربي‭ ‬واسع،‭ ‬وتفاعل‭ ‬الجمهور‭ ‬معها‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬نص‭ ‬موسيقي‭ ‬متماسك‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الزمن‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬الأذواق‭ ‬والوسائط‭.‬

وبين‭ ‬محمد‭ ‬خيري‭ ‬وميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬بدت‭ ‬سهرة‭ ‬قرطاج‭ ‬وكأنها‭ ‬تقابل‭ ‬بين‭ ‬مرحلتين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الطرب‭ ‬السوري‭ ‬والعربي‭.. ‬ميادة‭ ‬تمثل‭ ‬الماضي‭ ‬الفني‭ ‬الجميل‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬رصيد‭ ‬وتجارب‭ ‬وأسماء‭ ‬كبرى‭ ‬فيما‭ ‬يمثل‭ ‬خيري‭ ‬إمكانية‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.. ‬وبين‭ ‬الاثنين‭ ‬تظل‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الطرب‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬حضوره‭  ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬جذوره‭.‬

وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سهرة‭ ‬6‭ ‬أوت‭ ‬مجرد‭ ‬عودة‭ ‬إلى‭ “‬الزمن‭ ‬الجميل‭” ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬مناسبة‭ ‬لطرح‭ ‬علاقة‭ ‬الماضي‭ ‬بالمستقبل‭ ‬في‭ ‬الأغنية‭ ‬العربية‭: ‬ميادة‭ ‬الحناوي‭ ‬جاءت‭ ‬محملة‭ ‬بذاكرة‭ ‬مرحلة‭ ‬كاملة‭ ‬ومحمد‭ ‬خيري‭ ‬جاء‭ ‬حاملا‭ ‬إرث‭ ‬القدود‭ ‬الحلبية‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭. ‬وبين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والامتداد‭ ‬يظل‭ ‬الطرب‭ ‬مطالبا‭ ‬بأن‭ ‬يجد‭ ‬لنفسه‭ ‬مكانا‭ ‬في‭ ‬الحاضر،‭ ‬وأن‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬امتدادا‭ ‬جيدا‭ ‬للماضي‭ ‬لا‭ ‬نسخة‭ ‬منه‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

في‭ ‬الدورة‭ ‬20‭ ‬للمهرجان‭ ‬الدولي‭ ‬للمسرح‭ ‬الجامعي‭ ‬بالمنستير عروض‭ ‬مسرحية‭ ‬وورشات‭ ‬فنية‭ ‬

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬ريـم‭ ‬قيدوز‭ ‬ تحتضن‭ ‬مدينة‭ ‬المنستير‭ ‬الدورة‭ ‬20‭ ‬للمهرجان‭ ‬ال…