مهرجان قرطاج الدولي ميادة الحناوي ذاكرة الطرب.. ومحمد خيري رهان المستقبل
الصحافة اليوم : ريـم قيدوز
في دورته الستين اختار مهرجان قرطاج الدولي أن يستعيد جانبا من ذاكرته الموسيقية من خلال سهرة جمعت يوم الخميس 6 أوت 2026 بين صوتين سوريين ينتميان إلى جيلين مختلفين هما ميادة الحناوي ومحمد خيري.. لقاء لم يكن مجرد استعادة لأغنيات راسخة في الذاكرة، بل بدا أيضا كأنه حوار بين زمنين: زمن الأغنية العربية الكلاسيكية التي تمثل الفنانة ميادة الحناوي أحد أبرز أصواتها، وجيل جديد يسعى إلى مواصلة هذا المسار بصوت مختلف يمثله الفنان محمد خيري.
يحمل الحضور السوري في قرطاج ذاكرة خاصة ارتبطت على مدى عقود بأسماء تركت بصمتها في تاريخ المهرجان وفي مقدمتها صباح فخري الذي جعل من القدود الحلبية والطرب الأصيل جزءا من المشهد الموسيقي على ركح قرطاج. ومن هذا الإرث جاءت سهرة الدورة 60 لتطرح سؤالا يتجاوز استعادة الماضي: كيف يمكن لهذا التراث أن يواصل حضوره في الحاضر وأن يجد طريقه إلى المستقبل؟
في الجزء الأول من السهرة اعتلى محمد خيري الركح الأثري للمرة الأولى مقدما عمله الجديد “وجهة نظر” قبل أن ينتقل إلى مجموعة من الأغاني التي تنتمي إلى المدونة الطربية العربية واختار أن يبدأ من “لما بدا يتثنى” ثم غنى “سيبوني يا ناس” و”قدك المياس” و”آه يا حلو” و”ابعثلي جواب” مستندا إلى خامة صوتية قادرة على التعامل مع المقامات والقدود الحلبية.
ولم يكن حضور خيري مجرد استعادة لأغاني الماضي فقد بدا في اختياراته وأدائه واعيا بأن المحافظة على الطرب لا تعني تجميده، وهو ما يمنح تجربته أهمية خاصة باعتباره ينتمي إلى جيل جديد يمكنه أن يحمل هذا الإرث إلى جمهور معاصر دون أن يتخلى عن أصوله، وبقيادة المايسترو مازن زوايدي قدم خيري أداء حافظ على صلة واضحة بالمدرسة الحلبية مستفيدا من خبرة فنية تسمح له بالتنقل بين المقامات والأنماط الطربية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى محمد خيري باعتباره أحد الأصوات التي يمكن أن تمثل المستقبل المشرق للطرب العربي لا لأنه يكرر ما قدمه السابقون الى المجال الفني وإنما لأنه يمتلك القدرة على مواصلة هذا الخط الفني في زمن تغيرت فيه أنماط الاستماع وتبدلت فيه الذائقة الموسيقية. فالمستقبل هنا لا يعني القطيعة مع الماضي بل إعادة تقديمه بلغة أداء قادرة على الوصول إلى أجيال جديدة. وفي الجزء الثاني من السهرة كانت الفنانة ميادة الحناوي على موعد مع جمهور مهرجان قرطاج بعد غياب دام 21 سنة، وبقيادة المايسترو يوسف بالهاني قدمت مجموعة من أشهر أعمالها من بينها “أنا مخلصالك” و”أنا بعشقك” و” شمس” و”الحب اللي كان” و”فاتت سنة”. وتمثل ميادة الحناوي في المقابل مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية العربية الحديثة، فمنذ سبعينات القرن الماضي ارتبط اسمها بالأغنية الكلاسيكية وبعدد من كبار الملحنين والشعراء وفي مقدمتهم الموسيقار محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، وقد استطاعت خلال مسيرتها أن تحافظ على حضور الأغنية العاطقية الطويلة القائمة وعلى الكلمة واللحن والأداء في مواجهة التحولات التي عرفها المشهد الغنائي العربي.
ولذلك كان حضورها في قرطاج استعادة لفصل من تاريخ الأغنية العربية أكثر منه مجرد عودة لفنانة إلى ركح غابت عنه لسنوات، فأغان مثل “أنا بعشقك” و”الحب اللي كان” لم تعد مرتبطة بزمن إنتاجها فقط، بل أصبحت جزءا من الذاكرة الغنائية لجمهور عربي واسع، وتفاعل الجمهور معها أكد أن الأغنية التي تستند إلى نص موسيقي متماسك قادرة على تجاوز الزمن حتى بعد تغير الأذواق والوسائط.
وبين محمد خيري وميادة الحناوي بدت سهرة قرطاج وكأنها تقابل بين مرحلتين في تاريخ الطرب السوري والعربي.. ميادة تمثل الماضي الفني الجميل بما يحمله من رصيد وتجارب وأسماء كبرى فيما يمثل خيري إمكانية استمرار هذا الإرث في المستقبل.. وبين الاثنين تظل القيمة الحقيقية في قدرة الطرب على تجديد حضوره دون أن يفقد جذوره.
وهكذا لم تكن سهرة 6 أوت مجرد عودة إلى “الزمن الجميل” فقط، بل مناسبة لطرح علاقة الماضي بالمستقبل في الأغنية العربية: ميادة الحناوي جاءت محملة بذاكرة مرحلة كاملة ومحمد خيري جاء حاملا إرث القدود الحلبية إلى جيل جديد. وبين الذاكرة والامتداد يظل الطرب مطالبا بأن يجد لنفسه مكانا في الحاضر، وأن يثبت أن المستقبل يمكن أن يكون امتدادا جيدا للماضي لا نسخة منه.
في الدورة 20 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالمنستير عروض مسرحية وورشات فنية
الصحافة اليوم : ريـم قيدوز تحتضن مدينة المنستير الدورة 20 للمهرجان ال…
