2026-08-08

في وداع حسن نصر… كاتبٌ عبر من الواقعي إلى الإنساني دون أن يفقد صوته

الصحافة اليوم: كمال الشيحاوي
برحيل حسن نصر، يوم 24 جويلية 2026 عن سن تناهز التاسعة والثمانين، لا تفقد تونس قاصًا وروائيًا فحسب، بل تودّع واحدًا من الأصوات التي رافقت الأدب التونسي الحديث منذ سنوات الاستقلال الأولى، وظلت وفيّة للإنسان التونسي في تحوّلاته وانكساراته وأحلامه. فقد كان نصر، المولود بحي الحلفاوين في تونس العاصمة سنة 1937، من جيل أدبي تشكّل في زمن كانت فيه الكتابة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأسئلة الوطن والمجتمع والهوية.
بدأ تجربته بنشر نصوص شعرية في جريدة «العلم»، قبل أن يطرق باب القصة القصيرة بنصه «دمعة كهل» سنة 1959 في مجلة «الفكر». ومنذ تلك اللحظة، أخذ يتكوّن عالمه السردي تدريجيًا، عالمٌ لا يبحث عن البطولة الصاخبة بقدر ما ينصت إلى التفاصيل الصغيرة وإلى أولئك الذين يعيشون على هامش الأحداث الكبرى.
القصة القصيرة… مختبر الإنسان والتحولات
تحتل القصة القصيرة موقعًا خاصًا في منجز حسن نصر. فهي عنده ليست مجرد شكل سردي مختصر، وإنما مساحة لالتقاط لحظة إنسانية كثيفة، وتحويل التجربة اليومية إلى دلالة تتجاوز حدود الحكاية. لذلك انشغلت قصصه بقضايا الفلاحين، والتحولات الاجتماعية، والصراع بين الأجيال، وأدب المقاومة، وآثار النكسة، فضلًا عن تجربة التعاضد وما تركته من آثار في الإنسان والمجتمع التونسي.
وفي هذا العالم القصصي يبدو حسن نصر قريبًا من نبض الناس، يستمد مادته من الواقع لكنه لا يكتفي بنقله. فالشخصية عنده تتحول إلى مرآة لتحولات المجتمع، والحدث البسيط يمكن أن يصبح مدخلًا إلى سؤال أكبر عن الكرامة والعدالة والذاكرة والاختيار. ومن هنا جاءت خصوصية تجربته: واقعية في مادتها، إنسانية في أفقها، وحريصة على أن تجعل من الأدب شهادة على زمن كامل.
من «ليالي المطر» إلى «السهر والجرح»
ترك حسن نصر رصيدًا أدبيًا متنوعًا شمل القصة والرواية والقصة القصيرة جدًا. ومن أبرز أعماله «ليالي المطر»، التي نال عنها الجائزة التشجيعية سنة 1968، و«دهاليز الليل» التي توجت بالجائزة التشجيعية سنة 1978، ثم «السهر والجرح» الحاصلة على جائزة الإبداع سنة 1989، إلى جانب «خبز الأرض»، و«دار الباشا»، و«سجلات رأس الديك»، و«خيول الفجر»، و«52 ليلة»، و«كائنات مجنحة»، و«ما أجمل البحر» و«المالك في المنفى».
ولئن توزعت تجربته بين أجناس أدبية مختلفة، فإن القاص ظل حاضرًا في صميم هذا المنجز، بما يكشفه من قدرة على الاقتصاد في الحكاية وتكثيف الدلالة وربط المصير الفردي بالتحول الجماعي.
شاهدٌ على زمن الأدب التونسي
لم يكن حسن نصر أديبًا منعزلًا عن الحياة الثقافية؛ فقد كان من المؤسسين لاتحاد الكتاب التونسيين، كما عمل مدرسًا في المعاهد الثانوية التونسية، ودرّس أيضًا في موريتانيا. وهكذا امتدت تجربته من الكتابة إلى الفعل الثقافي والتربوي، ليصبح جزءًا من ذاكرة جيل أسهم في تثبيت الأدب التونسي الحديث.
رحل حسن نصر، لكن قصصه ستظل تحفظ شيئًا من وجوه تونس وأصواتها وتحولاتها. وفي ذلك تكمن قيمة الكاتب الحقيقية: أن يتحول أدبه، بعد رحيله، من مجرد أعمال منشورة إلى ذاكرة حيّة لزمن ولإنسان.

‫شاهد أيضًا‬

‭ ‬سينيتوالب‭ ‬يعود‭ ‬بالفيلم‭ ‬القصير‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة من‭ ‬الحمامات‭ ‬إلى‭ ‬نابل‭.. ‬ستة‭ ‬أيام‭ ‬لاكتشاف‭ ‬أصوات‭ ‬سينمائية‭ ‬جديدة

الصحافة‭ ‬اليوم‭ :‬كمال‭ ‬الشيحاوي من‭ ‬1‭ ‬إلى‭ ‬6‭ ‬أوت‭ ‬الجاري،‭ ‬تعود‭ ‬تظاهرة‭ ‬اسين…