الكفاءة الطبية التونسية: جــســر نـحـو إفـريـقــيـا
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
ليست كل الشراكات الدولية تُبنى على رؤوس الأموال وحدها، ولا كل الحضور الإقليمي يُقاس بحجم المبادلات التجارية أو النفوذ السياسي. فهناك دول تصنع مكانتها بما تملكه من رأسمال بشري، وبما راكمته من خبرات ومعارف تجعل منها نقطة التقاء بين الحضارات والقارات. وفي هذا المعنى، يأتي افتتاح الدورة الثانية من برنامج التكوين الإقليمي Cardiology for Africa ليكشف مرة أخرى عن حقيقة ظلت ثابتة لعقود: تونس ليست مجرد بلد إفريقي على ضفاف المتوسط، بل هي مدرسة طبية ومركز إشعاع علمي وصحي تجاوز إشعاعه حدودها الوطنية.
فالبرنامج، الذي يجمع تونس واليابان وعدداً من الدول الإفريقية في إطار تعاون ثلاثي، لا يعكس فقط متانة العلاقات التونسية اليابانية، بل يسلط الضوء على المكانة التي تحتلها الكفاءات الطبية التونسية لدى شركاء دوليين من وزن اليابان، وهي دولة لا تمنح ثقتها بسهولة، ولا تبني شراكاتها على المجاملة أو الاعتبارات الظرفية، وإنما على الكفاءة والجدارة والقدرة على الإنجاز.
ولعل اختيار تونس لتكون قاعدة لتكوين أطباء القلب القادمين من عشر دول إفريقية، في مجال دقيق يعتمد على تقنيات متقدمة مثل القسطرة باستعمال بالون إينوي، لا يمكن أن يكون أمراً اعتباطياً. فاليابان، التي تمثل إحدى القوى الطبية والتكنولوجية الكبرى في العالم، لم تختر تونس لأنها الأقرب جغرافياً إلى إفريقيا، بل لأنها وجدت فيها ما يؤهلها لتكون شريكاً موثوقاً، قادراً على نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وتكوين الكفاءات.
وهذه الثقة ليست وليدة اليوم. فالطب التونسي، منذ عقود، صنع لنفسه مكانة خاصة في المنطقة العربية والإفريقية. فمنذ الستينيات والسبعينيات، تخرجت من كليات الطب التونسية أجيال من الأطباء الذين انتشروا في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في تطوير الأنظمة الصحية في العديد من البلدان. كما برزت تونس في تخصصات دقيقة عديدة، على غرار طب القلب وجراحة القلب وزراعة الأعضاء وجراحة الأعصاب وطب العيون، فضلاً عن الطب الوقائي والصحة العمومية.
وليس من المبالغة القول إن طب القلب في تونس أصبح علامة جودة معترفاً بها إقليمياً. فقد شهدت المستشفيات الجامعية التونسية إنجازات رائدة في جراحة القلب والشرايين والتدخلات الدقيقة، وأصبحت قبلة لمرضى من دول الجوار ومن إفريقيا جنوب الصحراء، كما استقطبت أطباء ومختصين راغبين في التكوين واكتساب الخبرة. ولم يكن ذلك نتيجة الصدفة، بل ثمرة استثمار طويل في التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين الجامعي، وفي تقاليد طبية عريقة جعلت من الطبيب التونسي إسماً يحظى بالاحترام في الداخل والخارج.
ومن المفارقات الجميلة أن اليابان، وهي إحدى أكثر الدول تقدماً في العالم، اختارت أن تدخل إفريقيا من بوابة تونس في المجال الصحي. وهذا الاختيار يحمل أكثر من رسالة. فهو يؤكد أن تونس تمتلك رصيداً من الثقة والمصداقية يجعلها شريكاً مثالياً في مشاريع التعاون الثلاثي. كما يكشف أن النفاذ إلى إفريقيا لم يعد يمر فقط عبر المال والاستثمارات، بل أيضاً عبر الكفاءات والخبرات والمؤسسات القادرة على تكوين الموارد البشرية وصناعة النخب.
ولا يقتصر الأمر على القطاع الصحي وحده. فالكثير من الدول والمؤسسات الدولية باتت ترى في تونس منصة نحو إفريقيا، سواء في التعليم العالي أو التكنولوجيا أو الخدمات أو التكوين المهني. فالموقع الجغرافي وحده لا يكفي لصنع هذا الدور، وإنما تحتاجه الكفاءة والسمعة والقدرة على التواصل مع الفضاء الإفريقي بلغاته وثقافاته وخصوصياته.
ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من التعاون يعزز ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الصحية، وهي إحدى أدوات القوة الناعمة التي تكتسب أهمية متزايدة في العالم المعاصر. فحين تساهم تونس في تكوين أطباء أفارقة، فإنها لا تصدر المعرفة فقط، بل تبني علاقات إنسانية وعلمية طويلة الأمد، وتؤسس لشبكات تعاون تتجاوز حدود اللحظة والظرف، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي.
لقد اعتادت تونس أن تُعرّف نفسها بكونها بلداً صغيراً بإمكانيات محدودة. غير أن تجارب كثيرة أثبتت أن الدول لا تقاس بمساحتها ولا بعدد سكانها، بل بما تمتلكه من عقول وكفاءات. وفي زمن تتنافس فيه الأمم على المعرفة والتكنولوجيا، تصبح الجامعة والمستشفى ومركز البحث أدوات نفوذ لا تقل أهمية عن المصانع والأسواق.
ولهذا، فإن برنامج اCardiology for Africaب لا يمثل مجرد دورة تدريبية جديدة، بل يعكس حقيقة أعمق: تونس ما تزال تمتلك من الرصيد العلمي والبشري ما يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً للتكوين والخبرة، وجسراً بين الشمال والجنوب، وبين آسيا وإفريقيا. وإذا كانت اليابان قد اختارت تونس بوابة نحو القارة السمراء، فلأنها أدركت أن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة أو المال وحدهما، بل تُفتح بالكفاءة، وتُحفظ بالثقة، وتستمر بالعلم.
تونس تجمع إفريقيا: عندما تتحول رائدات الأعمال إلى جسور للتنمية والتكامل القارّي
الصحافة اليوم : عادل البرينصي لم يعد نجاح الدول في عالم اليوم يقاس ف…
