حين تصبح الكفاءة الطاقية ثقافة وطنية
تونس تراهن على الأداء قبل الاستهلاك..
الصحافة اليوم: عادل البرينصي
لم تعد أزمة الطاقة في العالم تُقاس فقط بقدرة الدول على استخراج النفط أو استيراد الغاز أو بناء محطات إنتاج الكهرباء، بل أصبحت تُقاس أيضاً بقدرتها على إدارة ما تستهلكه من طاقة، وعلى تحويل كل كيلوواط إلى قيمة اقتصادية، وكل وحدة طاقة إلى عامل إنتاج لا إلى عبء على الميزانية. فالدول التي كسبت معركة الطاقة لم تربحها بالإنتاج وحده، وإنما ربحتها أيضاً بالكفاءة، أي بحسن الاستعمال، وبالحد من الهدر، وبإرساء ثقافة جديدة تجعل الاقتصاد في الطاقة جزءاً من منظومة التنمية لا مجرد سلوك ظرفي يفرضه ارتفاع الأسعار.
في هذا السياق، يأتي الإعلان عن إطلاق الدورة الأولى للجائزة الكبرى للأداء الطاقي لسنة 2026 ليؤشر على بداية مرحلة جديدة في التفكير الطاقي في تونس. فهذه المبادرة لا تتمثل في مجرد مسابقة تمنح فيها الجوائز للمؤسسات الأكثر كفاءة، وإنما تؤسس لأول منظومة وطنية لقياس الأداء الطاقي وتصنيفه وتثمينه استناداً إلى بيانات دقيقة وعمليات تقييم مستقلة، وهو تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن معركة الطاقة تبدأ من المعرفة قبل أن تبدأ من الاستثمار.
فالقياس هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح. وما لا يمكن قياسه لا يمكن تطويره. ولهذا فإن بناء منظومة وطنية تعتمد مؤشرات علمية وموضوعية لتقييم الأداء الطاقي يمثل نقلة نوعية في إدارة هذا القطاع، لأنه ينقل النقاش من دائرة الشعارات العامة إلى منطق الأرقام والنتائج، ومن الانطباعات إلى الحقائق القابلة للقياس والمقارنة.
وتونس، التي تواجه منذ سنوات تحديات متزايدة في مجال الطاقة بسبب ارتفاع الطلب وتراجع الإنتاج الوطني وتزايد الاعتماد على الواردات، أصبحت أكثر إدراكاً من أي وقت مضى أن الحلول لا تقتصر على بناء محطات جديدة أو البحث عن مصادر إضافية للطاقة، رغم أهمية ذلك، بل تشمل أيضاً ترشيد الاستهلاك وتحسين مردودية المؤسسات والمنشآت الاقتصادية والإدارية والخدمية. فالطاقة التي يتم توفيرها عبر حسن الإدارة لا تقل قيمة عن الطاقة التي يتم إنتاجها، بل قد تكون أقل كلفة وأكثر استدامة.
ومن هنا تكتسب هذه الجائزة أهميتها الحقيقية. فهي لا تكرّم المؤسسات الناجحة فحسب، وإنما تدفع جميع الفاعلين الاقتصاديين إلى مراجعة طرق استهلاكهم للطاقة، وإلى اعتبار الكفاءة الطاقية أحد معايير التنافسية الاقتصادية. فالمؤسسة التي تستهلك طاقة أقل لإنتاج القيمة نفسها تصبح أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعداداً لمواجهة تقلبات الأسواق، وأكثر قدرة على الاستثمار والتوسع.
ولعل أهم ما يميز هذه المبادرة أنها تجعل من الأداء الطاقي قيمة اقتصادية قابلة للقياس والتثمين. فالمؤسسات لن تتنافس فقط على حجم الإنتاج أو الأرباح، وإنما أيضاً على حسن إدارة الموارد الطاقية، وهو ما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت معايير الاستدامة والنجاعة الطاقية عنصراً أساسياً في تقييم الشركات وجذب الاستثمارات والأسواق.
ولا يمكن فصل هذه المبادرة عن المسار الذي اختارته تونس خلال السنوات الأخيرة في مجال الانتقال الطاقي. فقد شهدت البلاد إطلاق مشاريع كبرى في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتسارع العمل على الربط الكهربائي مع أوروبا، كما وضعت أهدافاً طموحة لرفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء. غير أن نجاح هذه المشاريع يظل رهين وجود ثقافة وطنية جديدة تجعل من حسن التصرف في الطاقة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والمواطنين.
فالمعركة ليست تقنية فقط، بل هي أيضاً معركة وعي. إذ لا يكفي إنتاج الطاقة النظيفة إذا استمرت أنماط الاستهلاك غير الرشيد، ولا يكفي تشييد المحطات الجديدة إذا ظل الهدر سيد الموقف في المصانع والإدارات والمباني والخدمات. لذلك فإن نشر ثقافة الأداء الطاقي يمثل استثماراً في المستقبل لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.
ومن زاوية أخرى، تحمل هذه الجائزة رسالة موجهة إلى المستثمرين المحليين والأجانب مفادها أن تونس تسعى إلى بناء اقتصاد أكثر كفاءة وأكثر التزاماً بالمعايير الدولية في مجالات الطاقة والاستدامة. ففي عالم أصبح يربط بين الاستثمار والمسؤولية البيئية، وبين التمويل والحوكمة، تصبح الكفاءة الطاقية عاملاً جاذباً لرؤوس الأموال، وعنصراً يعزز صورة البلاد كموقع اقتصادي قادر على مواكبة التحولات العالمية.
كما أن لهذه المبادرة بعداً مالياً لا يقل أهمية. فكل ميغاواط يتم توفيره بفضل تحسين الأداء الطاقي يعني تقليصاً في واردات الطاقة، وتخفيفاً للضغط على احتياطي العملة الصعبة، وتقليصاً للعجز الطاقي الذي ظل لسنوات أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التونسي. ولذلك فإن الاستثمار في الكفاءة الطاقية ليس مجرد خيار بيئي، بل هو أيضاً خيار اقتصادي وسيادي بامتياز.
وفي النهاية، تبدو الجائزة الكبرى للأداء الطاقي أكثر من مجرد مناسبة لتكريم المؤسسات المتميزة. إنها إعلان عن بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها تونس من منطق استهلاك الطاقة إلى منطق إدارتها، ومن ثقافة الإنفاق إلى ثقافة النجاعة، ومن البحث عن حلول ظرفية إلى بناء سياسة مستدامة تجعل من كل وحدة طاقة رافعة للإنتاج والتنمية. فالدول التي تريد أن تربح معركة المستقبل لن تكون بالضرورة تلك التي تملك أكبر احتياطي من الطاقة، بل تلك التي تعرف كيف تحسن استخدامها، وكيف تحوّل الكفاءة إلى ثقافة، والثقافة إلى قوة اقتصادية قادرة على صناعة المستقبل.
حين تستعيد الأرض وظيفتها.. الدولة تبحث عن مفاتيح التنمية المدفونة
الصحافة اليوم:عادل البرينصيت ليست كل الثروات مدفونة في باطن الأرض، فبع…
