تونس تحتل المرتبة الرابعة إفريقيا في مؤشر التصنيع فرص واعدة للإنتعاشة الاقتصادية
الصحافة اليوم : عادل البرينصي
في زمن تتكاثر فيه الأخبار الثقيلة، يصبح لأي رقم إيجابي معنى يتجاوز الإحصاء. ليس لأن الأرقام وحدها تصنع الواقع، بل لأنها قد تكشف أحيانا عن باب نصف مفتوح في جدار يبدو مغلقا. ولذلك، فإن احتلال تونس المرتبة الرابعة إفريقيا في مؤشر التصنيع لسنة 2025 الصادر عن مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، ليس خبرا عاديا يمرّ في نشرات الاقتصاد ثم يختفي، بل هو إشارة سياسية وتنموية عميقة إلى أن البلاد، ما تزال تمتلك القدرة على النهوض إذا أحسنت قراءة ما لديها من إمكانيات.
أن تأتي تونس بعد المغرب وجنوب إفريقيا ومصر مباشرة، فهذا يعني أن البلاد ما تزال تملك قاعدة صناعية حقيقية، وكفاءات تقنية، وخبرات بشرية، وموقعا جغرافيا، وبنية إنتاجية تجعلها قادرة على المنافسة في قارة تبحث اليوم عن إعادة تشكيل اقتصادها الصناعي. والأهم من ذلك، أن هذا التصنيف يأتي في مرحلة دقيقة يمر بها الاقتصاد الوطني، حيث تتداخل الضغوط الاجتماعية مع صعوبات التمويل وتراجع نسق النمو وارتفاع كلفة العيش.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تقدمت تونس؟ بل: لماذا لم تتقدم أكثر؟
ذلك أن المشكلة التونسية لم تكن يوما في غياب الكفاءات أو ضعف الإمكانيات. بل كانت دائما في البيروقراطية التي تتحرك ببطء في عالم يتحرك بسرعة، وفي القوانين التي تُكتب بعقلية الخوف لا بعقلية المبادرة، وفي مناخ استثمار يرهق المستثمر قبل أن يبدأ مشروعه.
لقد تغير العالم. لم تعد الثروة اليوم في امتلاك المواد الخام فقط، بل في القدرة على تحويلها، وتطويرها، وتصديرها كمنتج ذي قيمة مضافة. والدول التي فهمت ذلك مبكرا أصبحت تبيع التكنولوجيا والخبرة والمعرفة، لا مجرد المواد الأولية. وتونس قادرة على دخول هذا العالم إذا غادرت عقلية الاقتصاد الإداري المغلق إلى عقلية الاقتصاد المنتج والمبتكر.
فالصناعة اليوم ليست مجرد مصانع ودخان ومناطق صناعية. إنها سيادة اقتصادية. وهي أيضا حماية للعملة الوطنية، وخلق لمواطن الشغل، وتقليص للتبعية الخارجية. وكل مصنع جديد يمكن أن يكون أقل كلفة من قرض خارجي جديد. وكل منتج تونسي قادر على المنافسة في الأسواق الإفريقية أو الأوروبية هو خطوة نحو استعادة التوازن الاقتصادي المفقود.
غير أن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق إذا استمرت العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال قائمة على الشك والارتياب المتبادل. فالاستثمار يحتاج إلى الثقة قبل الامتيازات. ويحتاج إلى وضوح الرؤية قبل كثرة الخطب. المستثمر، سواء كان تونسيا أو أجنبيا، يريد إدارة سريعة، وقانونا مستقرا، وعدالة ناجزة، ومناخا لا يتغير كل شهر.
وفي المقابل، تحتاج الدولة أيضا إلى رجال أعمال حقيقيين، لا تجار امتيازات ومضاربين يعيشون على القرب من السلطة أو على اقتصاد الريع. تحتاج إلى فاعلين اقتصاديين يؤمنون بالإنتاج والتصدير والتشغيل، لا فقط بالربح السريع.
ولعلّ أهم ما يجب أن تنتبه إليه تونس اليوم هو أن إفريقيا نفسها تتغير. القارة التي كانت تُقدَّم لعقود باعتبارها سوقا استهلاكية هامشية، أصبحت فضاء تنافس دولي حاد. الصين وتركيا والهند وروسيا ودول الخليج وأوروبا، جميعها تتحرك بقوة داخل القارة. وتونس، بحكم موقعها وخبرتها، قادرة على أن تكون جزءا من هذا التحول، لا مجرد متفرج عليه.
لكن ذلك يتطلب توجيه البوصلة الصناعية نحو ما تحتاجه الأسواق الإفريقية والإقليمية فعلا: الصناعات الغذائية، الأدوية، مكونات السيارات، الخدمات الرقمية، الصناعات الكهربائية، التكنولوجيا الصحية، الطاقات المتجددة، وصناعات التحويل الزراعي. أي نحو القطاعات التي تمتلك فيها تونس خبرة وكفاءة وقدرة تنافسية.
كما يتطلب الأمر إصلاحا حقيقيا للتكوين المهني والجامعي، حتى لا تبقى الجامعة التونسية تنتج شهادات أكثر مما تنتج مهارات. لأن الصناعة الحديثة لا تقوم فقط على رأس المال، بل على المعرفة والابتكار.
ثم إن الحديث عن التصنيع لا ينفصل عن العدالة الجهوية. فلا معنى لنمو صناعي يترك الجهات الداخلية خارج الدورة الاقتصادية. المطلوب اليوم هو تحويل المناطق المهمّشة إلى فضاءات إنتاج، وربط التنمية بالبنية التحتية والنقل والرقمنة والطاقة.
صحيح أن إفريقيا ما تزال تمثل أقل من 2 بالمائة من الإنتاج الصناعي العالمي، وفق تقرير البنك الإفريقي للتنمية. لكن الصحيح أيضا أن القارة تدخل مرحلة جديدة، وأن الدول التي تستعد مبكرا ستربح مواقعها لاحقا. وتونس تملك فرصة حقيقية لتكون ضمن هذا التحول.
حين تتحول الكفاءات إلى قوة وطنية: تونس على موعد مع العالم في مؤتمر القمح 2028
الصحافة اليوم : عادل البرينصي في عالم يتغيّر بسرعة، لم تعد قيمة الدول…

