2026-06-03

حين‭ ‬تتحول‭ ‬الكفاءات‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬وطنية‭:‬ ‭ ‬ تونس‭ ‬على‭ ‬موعد‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬القمح‭ ‬2028

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬عالم‭ ‬يتغيّر‭ ‬بسرعة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قيمة‭ ‬الدول‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬ثروات‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬قدرات‭ ‬مالية،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بما‭ ‬تملكه‭ ‬من‭ ‬عقول‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتحويل‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬تأثير‭ ‬ونفوذ‭ ‬واحترام‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تسلّم‭ ‬تونس‭ ‬بمدينة‭ ‬بولونيا‭ ‬الإيطالية‭ ‬مشعل‭ ‬تنظيم‭ ‬الدورة‭ ‬الخامسة‭ ‬للمؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬للقمح‭ ‬سنة‭ ‬2028،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موعد‭ ‬علمي‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬اعتراف‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الصغير‭ ‬جغرافيا‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمعرفة،‭ ‬وعلى‭ ‬فرض‭ ‬حضوره‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬علمية‭ ‬عالمية‭ ‬شديدة‭ ‬التنافس‭.‬

فالمؤتمر‭ ‬الدولي‭ ‬للقمح‭ ‬ليس‭ ‬تظاهرة‭ ‬بروتوكولية‭ ‬أو‭ ‬معرضا‭ ‬فلاحيا‭ ‬تقليديا‭. ‬إنه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬اللقاءات‭ ‬العلمية‭ ‬الدولية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬الحبوب‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والتقنيات‭ ‬الزراعية‭ ‬الحديثة‭. ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬دوراته‭ ‬السابقة‭ ‬احتضنتها‭ ‬كندا‭ ‬والصين‭ ‬وأستراليا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬حتى‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬تونس‭ ‬لاستضافة‭ ‬دورة‭ ‬2028‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجاملة‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬ثقة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬كفاءات‭ ‬علمية‭ ‬تونسية‭ ‬أثبتت‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البحث‭ ‬الزراعي،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الحبوب‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬اليوم‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬معركة‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬العالمي‭.‬

ولعلّ‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخبر‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬حمل‭ ‬صورة‭ ‬تونس‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬الختامية‭ ‬للمؤتمر‭ ‬كانت‭ ‬كفاءات‭ ‬تونسية‭ ‬شابة‭ ‬تعمل‭ ‬بصمت‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬البحث،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الأضواء‭ ‬والصخب‭. ‬فالدكتورة‭ ‬سارة‭ ‬بن‭ ‬مبارك‭ ‬والدكتور‭ ‬كريم‭ ‬عمار‭ ‬لم‭ ‬يقدما‭ ‬مجرد‭ ‬عرض‭ ‬تقني‭ ‬حول‭ ‬استعدادات‭ ‬تونس،‭ ‬بل‭ ‬قدما‭ ‬صورة‭ ‬بلد‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بالعلم‭ ‬والعمل‭ ‬والمعرفة،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الإحباطات‭ ‬التي‭ ‬تحاصر‭ ‬الباحث‭ ‬والجامعة‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭.‬

وما‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬إلا‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬تونس‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬بلدا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬لأزماته،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بلدا‭ ‬يملك‭ ‬عقولا‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬أزمات‭ ‬العالم‭ ‬نفسه‭.‬

فالقمح‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬محصول‭ ‬زراعي‭. ‬إنه‭ ‬قضية‭ ‬سيادة‭ ‬واستقرار‭ ‬وأمن‭ ‬قومي‭. ‬والحروب‭ ‬الأخيرة،‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬إلى‭ ‬اضطرابات‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬كشفت‭ ‬أن‭ ‬الغذاء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلاح،‭ ‬وأن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬فلاحتها‭ ‬وبحوثها‭ ‬الزراعية‭ ‬ستبقى‭ ‬رهينة‭ ‬الخارج‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬المؤتمر‭ ‬الذي‭ ‬ستحتضنه‭ ‬تونس‭ ‬سنة‭ ‬2028‭. ‬فهو‭ ‬فرصة‭ ‬علمية،‭ ‬نعم،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬فرصة‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬ودبلوماسية‭. ‬فرصة‭ ‬لتأكيد‭ ‬أن‭ ‬تونس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فضاء‭ ‬للبحث‭ ‬والابتكار‭ ‬والنقاش‭ ‬العلمي‭ ‬الدولي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬سوق‭ ‬استهلاكية‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬والمعرفة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬احتضان‭ ‬مؤتمر‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬سيعيد‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬تونس‭ ‬الزراعية،‭ ‬وخاصة‭ ‬ولاية‭ ‬باجة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مناطق‭ ‬إنتاج‭ ‬الحبوب‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬والتي‭ ‬طالما‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنها‭ ‬اسلّة‭ ‬خبز‭ ‬تونسب‭. ‬فحين‭ ‬تصبح‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬العلمي‭ ‬العالمي‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬القمح‭ ‬والتقنيات‭ ‬الزراعية‭ ‬الحديثة‭ ‬والهندسة‭ ‬الوراثية‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يمنحها‭ ‬قيمة‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬بعدها‭ ‬المحلي‭ ‬التقليدي‭.‬

لكن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذا‭ ‬الحدث‭ ‬تكمن‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬يبعثها‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬التونسي‭ ‬نفسه‭. ‬رسالة‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬ليس‭ ‬ترفا،‭ ‬وإن‭ ‬الجامعة‭ ‬ليست‭ ‬عبءا‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬وإن‭ ‬الباحث‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬داخل‭ ‬مخبر‭ ‬بسيط‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أحيانا‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬صورة‭ ‬بلاده‭ ‬من‭ ‬عشرات‭ ‬الحملات‭ ‬الدعائية‭ ‬والخطابات‭ ‬السياسية‭.‬

لقد‭ ‬عانت‭ ‬الكفاءات‭ ‬التونسية‭ ‬طويلا‭ ‬من‭ ‬التهميش‭ ‬وضعف‭ ‬الإمكانيات‭ ‬وهجرة‭ ‬العقول‭. ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬اضطروا‭ ‬إلى‭ ‬مغادرة‭ ‬البلاد‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬مختبرات‭ ‬أفضل‭ ‬وتمويل‭ ‬أكبر‭ ‬وتقدير‭ ‬أوسع‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬بقيت‭ ‬تونس‭ ‬تحتفظ‭ ‬بقدرة‭ ‬عجيبة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬التميز‭ ‬العلمي‭. ‬وهذه‭ ‬مفارقة‭ ‬تستحق‭ ‬التأمل‭: ‬بلد‭ ‬يعاني‭ ‬اقتصاديا،‭ ‬لكنه‭ ‬يواصل‭ ‬تصدير‭ ‬العقول‭ ‬والخبرات‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬مؤتمر‭ ‬دولي‭ ‬ناجح،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬العلمي‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬وطنية‭ ‬واضحة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬أولوية‭ ‬استراتيجية‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تحترم‭ ‬نفسها‭ ‬اليوم‭ ‬تتنافس‭ ‬على‭ ‬العلماء،‭ ‬وتخصص‭ ‬ميزانيات‭ ‬ضخمة‭ ‬للبحث‭ ‬الزراعي‭ ‬والطبي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬لأنها‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬لمن‭ ‬يملك‭ ‬الموارد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يطورها‭ ‬ويستثمرها‭ ‬علميا‭.‬

وتونس،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬ومناخها‭ ‬وخبراتها،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مركزا‭ ‬إقليميا‭ ‬للبحوث‭ ‬الزراعية‭ ‬المتوسطية‭ ‬والإفريقية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬المناخية‭ ‬وشح‭ ‬المياه‭ ‬وارتفاع‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭. ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬حقيقية‭ ‬تربط‭ ‬الجامعة‭ ‬بالاقتصاد،‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬بالتنمية،‭ ‬والكفاءة‭ ‬الوطنية‭ ‬بالمشروع‭ ‬الوطني‭.‬

إن‭ ‬صورة‭ ‬تونس‭ ‬التي‭ ‬ستظهر‭ ‬سنة‭ ‬2028‭ ‬أمام‭ ‬مئات‭ ‬الباحثين‭ ‬والخبراء‭ ‬وصنّاع‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬صورة‭ ‬قاعات‭ ‬ومؤتمرات‭ ‬وفنادق‭. ‬بل‭ ‬ستكون‭ ‬صورة‭ ‬بلد‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬إنه،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الصعوبات،‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والإبداع‭ ‬وإنتاج‭ ‬المعرفة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

إفريقيا‭… ‬ حين‭ ‬تبحث‭ ‬تونس‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬أرحب

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬عادل‭ ‬البرينصي لم‭ ‬تعد‭ ‬إفريقيا‭ ‬ذلك‭ ‬االعمق‭ ‬المنسيب‭ ‬الذي‭ ‬كا…