2026-04-28

حين تضيق الخيارات: القروض كمسار إضطراري لا كحلّ دائم

في لحظةٍ تتكاثر فيها الضغوط وتضيق فيها الهوامش، تعود تونس إلى ما بات يشبه الخيار الإجباري: التمويل الخارجي. اللقاء الذي جمع وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ بالمدير الإقليمي للبنك الإسلامي للتنمية أحمد اج أبو بكرين،مؤخرا لا يمكن قراءته فقط في إطار العلاقات الثنائية أو التعاون التقني، بل هو انعكاس لحقيقة أعمق: اقتصاد يبحث عن الأوكسجين.

البنك، من جهته، يعلن استعداده لمواصلة الدعم، ويفتح الباب لدراسة مشاريع جديدة، ويعبّر عن ارتياحه لتقدم بعض البرامج. خطاب مألوف في أدبيات التمويل الدولي. أما تونس، فتُرحّب، وتُثني، وتُعرب عن رغبتها في تعميق التعاون. وبين هذا الترحيب وذاك الاستعداد، تقف معادلة دقيقة: الحاجة إلى التمويل من جهة، والخشية من الارتهان من جهة أخرى.

الاقتصاد التونسي، في وضعه الراهن، لا يعاني من نقص الأفكار بقدر ما يعاني من نقص السيولة. المشاريع موجودة، البرامج جاهزة، لكن التنفيذ يصطدم دائماً بسؤال بسيط: من يموّل؟ وهنا يأتي دور المؤسسات المالية الدولية، ومنها البنك الإسلامي للتنمية، كرافعة محتملة لتجاوز هذا العائق.

لكن القروض، مهما كانت شروطها ميسّرة، تظل قروضاً. هي أموال تُضخ اليوم، لتُسترد غداً. ولذلك فإن اللجوء إليها لا يجب أن يُفهم كحل، بل كأداة ضمن حزمة أوسع من السياسات. فالدول التي تبني اقتصادها على الاقتراض وحده، تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً أمام معادلة صعبة: مزيد من الديون لتسديد ديون سابقة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن تونس، في هذه المرحلة، تحتاج إلى هذا الدعم. ليس فقط لتغطية العجز، بل أيضاً لتحريك عجلة الاستثمار. فالاقتصاد، حين يتوقف، يحتاج إلى دفعة أولى تعيده إلى الحركة. وهذه الدفعة، في غياب موارد داخلية كافية، تأتي من الخارج.

هنا تبرز خصوصية التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية. فالأمر لا يتعلق فقط بمؤسسة مالية، بل بشريك ينتمي إلى فضاء ثقافي واقتصادي أقرب إلى تونس. التمويل، في هذا الإطار، لا يقوم فقط على حسابات الربح، بل أيضاً على منطق الشراكة والتنمية المشتركة، وهذا ما يمنح هذا النوع من التعاون بعداً مختلفاً عن بعض المؤسسات الأخرى.

الحديث عن التوجه نحو «العمق الإسلامي» ليس شعاراً سياسياً، بل خياراً استراتيجياً. فالعالم الإسلامي، رغم تبايناته، يمثل فضاءً اقتصادياً واسعاً، يمكن لتونس أن تستفيد منه، سواء في التمويل، أو في الاستثمار، أو في التبادل التجاري. والانفتاح على هذا الفضاء يمكن أن يخلق توازناً في علاقاتها الدولية، بدل الارتهان لجهة واحدة.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تنويع الشركاء فقط، بل في حسن توظيف الموارد. فالقرض الذي يُصرف في الاستهلاك، يختفي سريعاً، بينما القرض الذي يُستثمر في مشاريع منتجة، يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة، ويخلق فرص عمل، ويُعيد للدولة جزءاً مما أنفقته.

وهنا، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام قروض لتمويل النمو، أم لتمويل العجز؟

الفرق بين الاثنين ليس تقنياً، بل جوهري. الأول استثمار في المستقبل، والثاني ترحيل للأزمة. وتونس، وهي تخوض هذه المرحلة الدقيقة، مطالبة بأن تحسم هذا الخيار. فكل دين جديد يجب أن يكون مبرّراً بمشروع واضح، وبعائد اقتصادي ملموس.

من جهة أخرى، يعكس استمرار دعم البنك الإسلامي للتنمية لتونس جانباً إيجابياً لا يمكن تجاهله: الثقة. فالمؤسسات المالية، بطبيعتها، لا تستثمر في بيئات غير مستقرة أو غير موثوقة. واستعداد البنك لمواصلة التعاون يعني أن تونس، رغم صعوباتها، لا تزال تُعتبر شريكاً قابلاً للعمل، وبلداً يمكن الاستثمار فيه.

هذه السمعة، وإن بدت غير ملموسة، هي أحد أهم الأصول التي تملكها البلاد. الحفاظ عليها يتطلب وضوحاً في السياسات، وشفافية في التصرف، وقدرة على تنفيذ المشاريع في آجالها.

في المقابل، لا يجب أن يتحول التمويل الخارجي إلى بديل عن الإصلاح الداخلي. فالمشكلة في تونس ليست فقط في نقص الأموال، بل أيضاً في تعقيد الإجراءات، وضعف الحوكمة، وتباطؤ التنفيذ. وهذه مسائل لا تُحلّ بالقروض، بل بالإرادة السياسية.

في النهاية، لا يمكن للاقتصاد أن يعيش على الحقن المالية إلى ما لا نهاية. القروض قد تُنعش، لكنها لا تُشفي. العلاج الحقيقي يكمن في بناء اقتصاد قادر على إنتاج ثروته بنفسه، وتقليص اعتماده على الخارج.

لكن إلى أن يتحقق ذلك، ستظل تونس، مثل كثير من الدول، تبحث عن التوازن بين الحاجة والاستقلال. بين القرض كضرورة، والسيادة كهدف.

وفي هذا التوازن، يُكتب مستقبل الاقتصاد.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتحرك تونس جنوباً : إفريقيا تفتح أبوابها وسيدات الأعمال يرسمن الطريق

من 1 إلى 3 جويلية 2026، لن تكون تونس مجرد بلد مضيّف، بل ستكون نقطة تقاطع لواحد من أكثر الأ…