2026-04-12

من أنشطة “بيت الحكمة “العلمية خلال شهر أفريل: منعرجات كتابة التاريخ في تونس: من السرد إلى السؤال المعرفي

في‭ ‬سياق‭ ‬الاهتمام‭ ‬المتجدّد‭ ‬بتاريخ‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬وما‭ ‬شهدته‭ ‬من‭ ‬تحوّلات‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المناهج‭ ‬والرؤى،‭ ‬يحتضن‭ ‬بيت‭ ‬الحكمة‭ ‬محاضرة‭ ‬علمية‭ ‬يلقيها‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬هنية‭ ‬يوم‭ ‬الثلاثاء‭ ‬21‭ ‬أفريل،‭ ‬بعنوان‭: “‬أساليب‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬التونسية‭ ‬والمنعرجات‭ ‬المعرفية‭ ‬والمنهجية‭ ‬خلال‭ ‬الفترتين‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة‭”. ‬وتندرج‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬ضمن‭ ‬أفق‭ ‬نقدي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬مسار‭ ‬يمتدّ‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬التاريخي،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لفهم‭ ‬آليات‭ ‬تشكّله،‭ ‬وتتبّع‭ ‬لحظات‭ ‬تحوّله،‭ ‬واستكشاف‭ ‬رهاناته‭ ‬المعرفية‭.‬

تنبني‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬على‭ ‬سؤال‭ ‬مركزي‭ ‬يتجاوز‭ ‬الوصف‭ ‬إلى‭ ‬التفكيك‭ ‬وهو‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تقييم‭ ‬تجربة‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬الزمني‭ ‬الطويل؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬تصنيفها‭ ‬ضمن‭ ‬أنماط‭ ‬أو‭ ‬زأساليبس‭ ‬محدّدة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تحوّلاتها‭ ‬العميقة؟‭ ‬

إنّ‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬برصد‭ ‬التراكم‭ ‬الكمي‭ ‬للنصوص،‭ ‬بل‭ ‬ينفذ‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬الأدوات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬اشتغل‭ ‬بها‭ ‬المؤرخ‭ ‬التونسي،‭ ‬والرهانات‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬وجّهت‭ ‬إنتاجه،‭ ‬في‭ ‬تفاعل‭ ‬مع‭ ‬السياقات‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬التي‭ ‬احتضنته‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يقترح‭ ‬المحاضر‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخية‭ ‬إبستمولوجية‭ ‬لمسار‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬زالأسلوبس‭ ‬باعتباره‭ ‬مدخلاً‭ ‬لفهم‭ ‬لحظات‭ ‬التجديد‭. ‬فالتحوّلات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬هذا‭ ‬الحقل‭ ‬لا‭ ‬تُفهم‭ ‬فقط‭ ‬بوصفها‭ ‬انتقالاً‭ ‬زمنياً،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬تحوّلاً‭ ‬في‭ ‬طرائق‭ ‬الكتابة‭ ‬ذاتها‭: ‬من‭ ‬السرد‭ ‬التقليدي‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬التدوين‭ ‬الحولي‭ ‬والخبري،‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭ ‬التحليلية‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬مناهج‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وتعيد‭ ‬مساءلة‭ ‬الوثيقة‭ ‬التاريخية‭ ‬بوصفها‭ ‬بناءً‭ ‬معرفياً‭ ‬لا‭ ‬معطى‭ ‬جاهزاً‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تستدعي‭ ‬المحاضرة‭ ‬تجارب‭ ‬أبرز‭ ‬المؤرخين‭ ‬التونسيين‭ ‬الذين‭ ‬أسهموا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬هذه‭ ‬المنعرجات،‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬هشام‭ ‬جعيط‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للسؤال‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي،‭ ‬والهادي‭ ‬التيمومي‭ ‬الذي‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬بمنهج‭ ‬نقدي‭ ‬صارم،‭ ‬وعمار‭ ‬المحجوبي‭ ‬الذي‭ ‬فتح‭ ‬آفاق‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تونس‭ ‬القديم‭ ‬والآثار،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أسماء‭ ‬أخرى‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬وتوسيعه‭.‬

لقد‭ ‬مثّلت‭ ‬هذه‭ ‬الأسماء،‭ ‬وغيرها،‭ ‬محطّات‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬التونسية،‭ ‬حيث‭ ‬انتقلت‭ ‬بالممارسة‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬مجرّد‭ ‬نقل‭ ‬الوقائع‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬بنياتها‭ ‬العميقة‭. ‬فمع‭ ‬هشام‭ ‬جعيط،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬موضوعاً‭ ‬سردياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مجالاً‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬تشكّل‭ ‬الوعي‭ ‬الديني‭ ‬والسياسي‭. ‬ومع‭ ‬الهادي‭ ‬التيمومي،‭ ‬أصبح‭ ‬التاريخ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مدخلاً‭ ‬لفهم‭ ‬تحوّلات‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬في‭ ‬علاقته‭ ‬بالبنى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستعمار‭. ‬أمّا‭ ‬عمار‭ ‬المحجوبي،‭ ‬فقد‭ ‬أعاد‭ ‬وصل‭ ‬الحاضر‭ ‬بجذوره‭ ‬القديمة‭ ‬عبر‭ ‬قراءة‭ ‬علمية‭ ‬دقيقة‭ ‬للمعطيات‭ ‬الأثرية‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬لا‭ ‬تدّعي‭ ‬الإحاطة‭ ‬بكلّ‭ ‬لحظات‭ ‬الانتعاش‭ ‬المعرفي‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬اقتراح‭ ‬مدخل‭ ‬منهجي‭ ‬جديد‭ ‬لقراءتها‭. ‬فكلّ‭ ‬لحظة‭ ‬تجديد‭ ‬تُفهم‭ ‬هنا‭ ‬بوصفها‭ ‬استنباطاً‭ ‬زلأسلوبس‭ ‬جديد،‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ،‭ ‬وفي‭ ‬أدوات‭ ‬كتابته،‭ ‬وفي‭ ‬علاقته‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والسلطة‭. ‬بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬تغدو‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬مجالاً‭ ‬للصراع‭ ‬بين‭ ‬تصوّرات‭ ‬مختلفة‭ ‬للماضي،‭ ‬لا‭ ‬مجرّد‭ ‬انعكاس‭ ‬له‭.‬

كما‭ ‬تفتح‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬أفق‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬تجارب‭ ‬عربية‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بفهم‭ ‬خصوصية‭ ‬التجربة‭ ‬التونسية‭ ‬ضمن‭ ‬سياق‭ ‬أوسع‭. ‬فهل‭ ‬استطاعت‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬أن‭ ‬تطوّر‭ ‬أدواتها‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬التحوّلات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحقل؟‭ ‬وإلى‭ ‬أيّ‭ ‬مدى‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬استقلاليتها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الإيديولوجية‭ ‬والسياسية؟

إنّ‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬قديمة‭ ‬بصياغات‭ ‬جديدة،‭ ‬وعلى‭ ‬تحفيز‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الكتابة‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬تونس‭. ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬باستعادة‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بنائه‭ ‬معرفياً،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وعي‭ ‬نقدي‭ ‬بأساليبه‭ ‬ومنعرجاته‭. ‬وبذلك،‭ ‬تشكّل‭ ‬هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬موعداً‭ ‬علمياً‭ ‬هاماً‭ ‬لكلّ‭ ‬المهتمين‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفه‭ ‬مادة‭ ‬للمعرفة،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬ممارسة‭ ‬فكرية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تحوّلات‭ ‬المجتمع‭ ‬وطرائق‭ ‬تمثّله‭ ‬لذاته‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ندوة علمية دولية بالمعهد العالي للغات بنابل بداية الأسبوع القادم الموسوعية في زمن انفجار المعارف

في‭ ‬سياق‭ ‬التحولات‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬إنتاج‭ ‬…