2026-07-11

بين‭ ‬حقّ‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬والحسابات‭ ‬المالية‭  ‬للمهرجانات‭ ‬ الجدل‭ ‬الصيفي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي

الصحافة‭ ‬اليوم‭: ‬كمال‭ ‬الشيحاوي

مع‭ ‬الإعلان‭ ‬تباعا‭ ‬عن‭ ‬برمجة‭ ‬المهرجانات‭ ‬الدولية‭ ‬والوطنية‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬الجدل‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬صيف‭: ‬من‭ ‬له‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬اعتلاء‭ ‬ركح‭ ‬المهرجانات؟‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬باعتبارها‭ ‬تظاهرات‭ ‬تموّل‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬أم‭ ‬نجوم‭ ‬الغناء‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يضمنون‭ ‬إقبالا‭ ‬جماهيريا‭ ‬واسعا‭ ‬وعائدات‭ ‬مالية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬إنقاذ‭ ‬ميزانيات‭ ‬هذه‭ ‬المهرجانات؟

ولم‭ ‬يعد‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬مجرد‭ ‬سجال‭ ‬عابر‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬ثقافية‭ ‬واقتصادية‭ ‬في‭ ‬الآن‭ ‬نفسه،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬اعتبارات‭ ‬الهوية‭ ‬الفنية‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التسيير‭.‬

بين‭ ‬الحقّ‭ ‬والإقصاء

ويرى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬التونسيين‭ ‬أن‭ ‬لهم‭ ‬حقا‭ ‬طبيعيا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬برمجة‭ ‬المهرجانات‭ ‬الوطنية‭ ‬والدولية‭. ‬فهذه‭ ‬التظاهرات،‭ ‬في‭ ‬نظرهم،‭ ‬وُجدت‭ ‬أساسا‭ ‬لدعم‭ ‬الإبداع‭ ‬المحلي،‭ ‬وتوفير‭ ‬فضاءات‭ ‬لقاء‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬وجمهوره،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الصناعة‭ ‬الموسيقية‭ ‬الوطنية‭. ‬ويذهب‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬اعتبار‭ ‬تقليص‭ ‬حضور‭ ‬الفنانين‭ ‬التونسيين‭ ‬لفائدة‭ ‬أسماء‭ ‬عربية‭ ‬أو‭ ‬أجنبية‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الإقصاء‭ ‬غير‭ ‬المبرر،‭ ‬خاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬فرصا‭ ‬كافية‭ ‬للظهور‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬واسع‭.‬

ويستند‭ ‬أصحاب‭ ‬هذا‭ ‬الرأي‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬العمومية‭ ‬التي‭ ‬تُرصد‭ ‬للمهرجانات‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬بالنفع،‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬على‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬الوطني،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مبالغ‭ ‬ضخمة‭ ‬تغادر‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أجور‭ ‬لفنانين‭ ‬عرب‭ ‬أو‭ ‬أجانب‭ ‬يقضون‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ثم‭ ‬يغادرون‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬مديري‭ ‬المهرجانات‭ ‬يطرحون‭ ‬معادلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭. ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يديرون‭ ‬مؤسسات‭ ‬ثقافية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتحملون‭ ‬أيضا‭ ‬مسؤولية‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬لمهرجانات‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬تنظيمها‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تضخم‭ ‬أسعار‭ ‬التجهيزات‭ ‬التقنية‭ ‬والأمن‭ ‬والنقل‭ ‬والإقامة‭ ‬والدعاية‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تصبح‭ ‬برمجة‭ ‬نجم‭ ‬عربي‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬ضرورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خيارا‭ ‬فنيا‭. ‬فالأسماء‭ ‬العربية‭ ‬الكبيرة‭ ‬وحدها‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬ضمان‭ ‬بيع‭ ‬آلاف‭ ‬التذاكر‭ ‬في‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة،‭ ‬وجذب‭ ‬جمهور‭ ‬قادم‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬المجاورة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مداخيل‭ ‬المهرجان‭ ‬وعلى‭ ‬الحركة‭ ‬السياحية‭ ‬والتجارية‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬المحتضنة‭.‬

نجوم‭ ‬عرب‭ ‬لتمويل‭ ‬العروض‭ ‬التونسية

ويؤكد‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإيرادات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تسمح،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬بتمويل‭ ‬عروض‭ ‬تونسية‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الجمهور،‭ ‬وبالحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬للتظاهرة‭ ‬بأكملها‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬نفسه‭ ‬ليس‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭. ‬فجزء‭ ‬واسع‭ ‬منه‭ ‬ينتظر‭ ‬كل‭ ‬صيف‭ ‬حضور‭ ‬نجوم‭ ‬الغناء‭ ‬العربي،‭ ‬ويرى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فرصة‭ ‬لمتابعة‭ ‬عروض‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬إلا‭ ‬نادرا،‭ ‬بينما‭ ‬يطالب‭ ‬جزء‭ ‬آخر‭ ‬بإعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للإنتاج‭ ‬التونسي‭ ‬وإبراز‭ ‬تنوعه‭ ‬وجودته‭.‬

وربما‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬يُطرح‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬وكأنه‭ ‬اختيار‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬متناقضين،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬برمجة‭ ‬متوازنة‭. ‬فالمهرجان‭ ‬الدولي،‭ ‬بحكم‭ ‬اسمه‭ ‬وطبيعته،‭ ‬مطالب‭ ‬بالانفتاح‭ ‬على‭ ‬التجارب‭ ‬العربية‭ ‬والعالمية،‭ ‬لكنه‭ ‬مطالب‭ ‬أيضا‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬واجهة‭ ‬للإبداع‭ ‬التونسي‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬ضمن‭ ‬جولات‭ ‬الفنانين‭ ‬العرب‭.‬

ولعل‭ ‬المطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬تقليص‭ ‬حضور‭ ‬النجوم‭ ‬العرب،‭ ‬ولا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالفنان‭ ‬التونسي‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الجمهور،‭ ‬وإنما‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معادلة‭ ‬تحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬البعدين‭ ‬الثقافي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬فالفنان‭ ‬العربي‭ ‬يمنح‭ ‬المهرجان‭ ‬إشعاعا‭ ‬إعلاميا‭ ‬وجماهيريا،‭ ‬بينما‭ ‬يمنحه‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬هويته‭ ‬وخصوصيته‭ ‬وسبب‭ ‬وجوده‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬مطروحا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬صائفة‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬المهرجانات‭ ‬التونسية‭ ‬أن‭ ‬تصوغ‭ ‬برمجة‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الفنان‭ ‬التونسي‭ ‬المستفيد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬العمومي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تخسر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بريقها‭ ‬العربي‭ ‬والدولي‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الجمهور؟‭ ‬إنه‭ ‬سؤال‭ ‬لن‭ ‬يجد‭ ‬إجابته‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬واحد،‭ ‬لكنه‭ ‬سيظل‭ ‬معيارا‭ ‬حقيقيا‭ ‬لنجاح‭ ‬السياسة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬الإبداع‭ ‬الوطني‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬العربي،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬يتجدد‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬موسم‭ ‬المهرجانات‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ليالي‭ ‬السينما‭ ‬بقصر‭ ‬الرباط‭ ‬بسوسة‭ ‬ االذراري‭ ‬الحمرب‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬و‭ ‬االروند…