2026-04-15

انطلاق العرض التجاري لفيلم صباط الغولة» للمخرج التونسي مختار العجيمي»: بـحـث فـي جــراح الماضي بين الأسطورة والواقع

ابتداءً‭ ‬من‭ ‬22‭ ‬أفريل،‭ ‬تستقبل‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬فيلم‭ ‬اصباط‭ ‬الغولةب،‭ ‬أحدث‭ ‬أعمال‭ ‬المخرج‭ ‬مختار‭ ‬العجيمي،‭ ‬الذي‭ ‬يواصل‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬مساره‭ ‬الفني‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مساءلة‭ ‬الذاكرة‭ ‬واستنطاق‭ ‬الهامش‭ ‬المنسي‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الشخصي‭ ‬والجماعي‭. ‬فيلم‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬حكاية‭ ‬بسيطة‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬مصابة‭ ‬بمرض‭ ‬الزهايمر،‭ ‬لكنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ينفتح‭ ‬على‭ ‬عوالم‭ ‬مركّبة،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬الحقيقة‭ ‬بالخيال،‭ ‬ويتحوّل‭ ‬الماضي‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬حي‭ ‬يلاحق‭ ‬الحاضر‭.‬

تدور‭ ‬أحداث‭ ‬الفيلم‭ ‬حول‭ ‬زينة‭ ‬بلقاسم،‭ ‬أستاذة‭ ‬التاريخ‭ ‬المتقاعدة‭ ‬والروائية‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ ‬امامي‭ ‬زينةب،‭ ‬التي‭ ‬تستعد‭ ‬لنشر‭ ‬سيرتها‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حرجة‭ ‬من‭ ‬حياتها،‭ ‬إذ‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬النسيان‭ ‬تتسلّل‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرتها‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬مشروع‭ ‬توثيق‭ ‬ذاتي،‭ ‬يتحوّل‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬شاقة‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬الطفولة،‭ ‬وتحديداً‭ ‬إلى‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬داخل‭ ‬منزل‭ ‬عائلي‭ ‬قديم‭ ‬في‭ ‬حلق‭ ‬الوادي‭.‬

هناك،‭ ‬حيث‭ ‬تشكّلت‭ ‬أولى‭ ‬ملامح‭ ‬وعيها،‭ ‬تستعيد‭ ‬زينة‭ ‬أحداثاً‭ ‬غامضة‭ ‬ومقلقة،‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتجارب‭ ‬طفولية‭ ‬يصعب‭ ‬تصنيفها‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والمتخيّل‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬استعادة‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬ليست‭ ‬مجرّد‭ ‬تمرين‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬بل‭ ‬مواجهة‭ ‬مؤلمة‭ ‬مع‭ ‬جروح‭ ‬لم‭ ‬تندمل،‭ ‬ومع‭ ‬أشخاص‭ ‬تركوا‭ ‬أثراً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬حياتها‭.‬

بين‭ ‬الأم‭ ‬والابنة‭: ‬صراع‭ ‬الأجيال‭ ‬والذاكرة

يمنح‭ ‬الفيلم‭ ‬مساحة‭ ‬درامية‭ ‬لافتة‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬زينة‭ ‬وابنتها‭ ‬ليندا،‭ ‬أستاذة‭ ‬الأدب‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬بدورها‭ ‬أزمة‭ ‬داخلية‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬والدها‭. ‬وهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رابط‭ ‬عائلي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬رؤيتين‭: ‬واحدة‭ ‬متشبثة‭ ‬بالماضي،‭ ‬وأخرى‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬القطع‭ ‬معه‭.‬

ليندا،‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬دورها‭ ‬عزة‭ ‬سليماني،‭ ‬تحاول‭ ‬إقناع‭ ‬والدتها‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬المنزل‭ ‬القديم‭ ‬وما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬اخرافاتب،‭ ‬بينما‭ ‬تنغمس‭ ‬زينة‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬عوالمها‭ ‬المتخيّلة،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬شخصيتها‭ ‬كأم‭ ‬مع‭ ‬هويتها‭ ‬كروائية‭. ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬كثيرة،‭ ‬تخاطب‭ ‬ليندا‭ ‬والدتها‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬شخصية‭ ‬امامي‭ ‬زينةب،‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬سردية‭ ‬ذكية‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬الواقع‭ ‬والتخييل‭.‬

الأسطورة‭ ‬كملاذة‭ ‬والطفولة‭ ‬كجرح‭ ‬مفتوح

يحضر‭ ‬البعد‭ ‬الأسطوري‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استدعاء‭ ‬عوالم‭ ‬الحكايات‭ ‬الشعبية،‭ ‬حيث‭ ‬تتحوّل‭ ‬االغولةب‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬كائن‭ ‬خرافي‭ ‬إلى‭ ‬رمز‭ ‬للخوف‭ ‬الدفين‭ ‬الذي‭ ‬يسكن‭ ‬الطفولة‭. ‬

وبهذا‭ ‬المعنى‭ ‬فإنّبصباط‭ ‬الغولةب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عنوان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استعارة‭ ‬كثيفة‭ ‬عن‭ ‬أثر‭ ‬الماضي‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬عالقاً‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تتآكل‭ ‬تفاصيلها‭ ‬بفعل‭ ‬المرض‭.‬

ويُحسب‭ ‬للفيلم‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الرمزية‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬المباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬يترك‭ ‬للمشاهد‭ ‬مساحة‭ ‬للتأويل،‭ ‬ويقترح‭ ‬قراءة‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬للأسطورة،‭ ‬بوصفها‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬قلق‭ ‬جماعي‭ ‬متوارث‭.‬

مختار‭ ‬العجيمي‭: ‬سينما‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهامش

يواصل‭ ‬مختار‭ ‬العجيمي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬تعميق‭ ‬مشروعه‭ ‬السينمائي‭ ‬الذي‭ ‬انشغل‭ ‬منذ‭ ‬بداياته‭ ‬بتفكيك‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬وتاريخه‭ ‬الشخصي‭. ‬ففي‭ ‬أفلامه‭ ‬السابقة،‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬شخصيات‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحمل‭ ‬في‭ ‬داخلها‭ ‬توتراً‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬عاشته‭ ‬وما‭ ‬تتمنّى‭ ‬نسيانه‭.‬

وتتميّز‭ ‬سينما‭ ‬العجيمي‭ ‬بنزعتها‭ ‬التأملية،‭ ‬وباعتمادها‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬هادئ‭ ‬يسمح‭ ‬بتسلّل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬المعنى‭. ‬كما‭ ‬يولي‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬للمكان،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كخلفية‭ ‬للأحداث،‭ ‬بل‭ ‬كعنصر‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الذاكرة‭. ‬وفي‭ ‬اصباط‭ ‬الغولةب،‭ ‬يتحوّل‭ ‬منزل‭ ‬حلق‭ ‬الوادي‭ ‬إلى‭ ‬شخصية‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها،‭ ‬تختزن‭ ‬الأسرار‭ ‬وتعيد‭ ‬إنتاجها‭.‬

يضمّ‭ ‬الفيلم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الممثلين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬فاطمة‭ ‬بن‭ ‬سعيدان،‭ ‬إيلان‭ ‬كاتزاراس،‭ ‬وياسين‭ ‬بن‭ ‬قمرة،‭ ‬الذين‭ ‬يقدّمون‭ ‬أداءً‭ ‬يتسم‭ ‬بالصدق‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المبالغة‭. ‬ويبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬المخرج‭ ‬اختار‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬الانفعالات‭ ‬الداخلية‭ ‬للشخصيات،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬الأحداث‭ ‬الصاخبة‭.‬

سينما‭ ‬تواجه‭ ‬النسيان

اصباط‭ ‬الغولةب‭ ‬ليس‭ ‬فيلماً‭ ‬عن‭ ‬مرض‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬الذات،‭ ‬وعن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬سرد‭ ‬الحكاية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تضيع‭. ‬إنه‭ ‬عمل‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬الذاكرة‭: ‬ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬منا‭ ‬حين‭ ‬ننسى؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬للخيال‭ ‬أن‭ ‬ينقذ‭ ‬ما‭ ‬يعجز‭ ‬الواقع‭ ‬عن‭ ‬حفظه؟

في‭ ‬زمن‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬الصور‭ ‬وتُختزل‭ ‬فيه‭ ‬الحكايات،‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬ليذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬السينما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أيضاً‭ ‬فعلاً‭ ‬للمقاومةة‭ ‬مقاومة‭ ‬النسيان،‭ ‬واستعادة‭ ‬لما‭ ‬تكسّر‭ ‬فينا‭ ‬بصمت‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

ندوة علمية في «قمرت» بمناسبة مأوية السينمائي الرّاحل يوسف شاهين»: مــائويــة مــخــرج أزعـــج الــصــمــت وراهـــن عــلــى الــحريـــة

في‭ ‬سياق‭ ‬ثقافي‭ ‬يتّسم‭ ‬بتسارع‭ ‬التحوّلات‭ ‬وتبدّل‭ ‬المرجعيات،‭ ‬تحتضن‭ ‬المدرسة‭ ‬ا…