الفلاحة في قلب السيادة الوطنية: تونس ترسم ملامح تحول استراتيجي إلى أفق 2030
في ظلّ التحوّلات العالمية المتسارعة واضطرابات سلاسل الإمداد، تعيد تونس تموقعها من خلال مقاربة جديدة تجعل من الفلاحة ركيزة للأمن القومي والسيادة الوطنية. هذا التوجّه تجسّد بوضوح خلال اجتماع مجلس وزاري مضيّق أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، خُصّص لتقييم مسار الإصلاحات الفلاحية ورسم آفاق المرحلة المقبلة.
الرسالة الأساسية التي حملها الاجتماع كانت واضحة: لم يعد القطاع الفلاحي مجرّد نشاط اقتصادي، بل أصبح خيارًا استراتيجيًا يحدّد قدرة البلاد على الصمود. فالفلاحة، التي توفّر نسبة هامّة من مواطن الشغل وتُعدّ مصدر عيش رئيسي لسكان الأرياف، باتت مطالبة اليوم بالتأقلم مع تحدّيات مركّبة، في مقدّمتها التغيّرات المناخية، وندرة الموارد المائية، وارتفاع كلفة الإنتاج.
في هذا السياق، قدّم وزير الفلاحة عز الدين بن الشيخ رؤية استراتيجية للفترة 2026-2030 تقوم على إعادة هيكلة عميقة للمنظومات الفلاحية، بما يضمن استدامة الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية. جوهر هذه الرؤية يتمثّل في الانتقال من نموذج تقليدي هشّ إلى فلاحة ذكية، رقمية، ومندمجة، قادرة على خلق القيمة المضافة وتحقيق الأمن الغذائي.
ويبرز ملف الحبوب كأحد أهمّ التحدّيات، حيث تسعى الدولة إلى تقليص التبعية للخارج عبر الترفيع في الإنتاج وتحسين مردوديته، خاصة في القمح الصلب، مع التشديد على استخدام البذور المحلية وتطوير سلاسل التخزين والتجميع. هذا التوجّه يعكس إدراكًا متزايدًا بخطورة الارتهان للأسواق الدولية في مادة حيوية.
في المقابل، يمثّل زيت الزيتون ورقة قوة استراتيجية، حيث تتجه تونس نحو تثمين هذا القطاع عبر دعم التصدير المعلّب، وفتح أسواق جديدة، وتحسين الجودة، بما يعزّز موقعها العالمي ويزيد من عائداتها من العملة الصعبة.
أما في ما يتعلّق بمنظومات الأعلاف وتربية الماشية، فإن التحدّي الأكبر يتمثّل في ضمان استدامة الإنتاج في ظلّ الجفاف وارتفاع الكلفة. ولهذا، تركّز الاستراتيجية على تنويع مصادر الأعلاف، واستغلال المياه غير التقليدية، وإعادة تكوين القطيع الوطني، إلى جانب مكافحة الاحتكار وتنظيم السوق.
ولم تغفل المقاربة الجديدة البعد الاجتماعي، إذ تمّ التأكيد على دعم صغار الفلاحين وتحسين ظروف العيش في المناطق الريفية، باعتبارهم الحلقة الأضعف والأكثر تأثّرًا بالأزمات، وفي الوقت ذاته العمود الفقري للإنتاج الفلاحي.
التوصيات الصادرة عن المجلس عكست طابع الاستعجال، من خلال الدعوة إلى تسريع تنفيذ الإصلاحات، ورقمنة مسالك التوزيع، وإعادة هيكلة المؤسسات الفلاحية، بما يضمن مزيدًا من الشفافية والنجاعة في إدارة القطاع.
في المحصّلة، يبدو أن تونس بصدد خوض رهان مزدوج: تحقيق السيادة الغذائية من جهة، وبناء اقتصاد فلاحي أكثر مرونة واستقلالية من جهة أخرى. نجاح هذا الرهان سيظلّ مرتبطًا بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه الاستراتيجيات إلى إنجازات ملموسة، خاصة في ظلّ التحدّيات المناخية والاقتصادية التي لا تزال تضغط بقوة على هذا القطاع الحيوي.
في ذكرى اغتياله: أبو جهاد… حين وصلت الموساد إلى تونس
تحلّ في مثل هذا اليوم ذكرى اغتيال أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية، خليل الوزير / أبو جهاد …












