سبعون عامًا من الأمن الجمهوري: حين يتحوّل الواجب إلى عقيدة وطنية
ان احياء تونس للذكرى السبعين لعيد قوات الأمن الداخلي هي مناسبة احتفالية مهمة ، ولكنها أيضا لحظة تأمل في مسار وطني شامل وتاريخ مؤسسة شكّلت، منذ فجر الاستقلال سنة 1956، أحد أعمدة الدولة الحديثة. وهي اليوم تحتفي بسبعة عقود من العمل المتواصل و من التحديات والتحولات وايضا ومن إعادة التشكل المستمر وفق تحولات مجتمع يتغير باستمرار ومع تهديدات تتجدّد حسب السياقات. .
فمنذ نشأتها، لم تكن هذه المؤسسة الأمنية في تونس جهازًا تقنيًا صرفا ، بل كانت – ولا تزال – ركنا من اركان من المشروع الوطني فهي تؤمن استقرار المجتمع وتواكب تحوّلاته وتتأقلم معها في كل مرة.
فقد وجدت نفسها في قلب رهانات كبرى منذ بناء الدولة الوطنية مرورا حماية النظام العام، مواجهة الأزمات الاجتماعية، ثم لاحقًا التصدي لمخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة. وفي كل مرحلة، كان عليها أن تعيد تعريف دورها، وأن توازن بين مقتضيات الأمن واحترام الحريات، وهي معادلة صعبة..
والأكيد ان الاحتفال بهذا العيد تحت شعار “التزام، انتماء ووفاء” ليس اختيارًا لفظيا بريئًا، بل هو تكثيف لثلاثية تمثل جوهر العمل الأمني في تونس اليوم. فالالتزام لم يعد يعني فقط تنفيذ الأوامر، بل صار مرتبطًا بالكفاءة والاحترافية واحترام القانون. والانتماء لم يعد محصورًا في المؤسسة، بل امتد ليشمل شعورًا أعمق بالارتباط بالمجتمع وخدمته. أما الوفاء، فهو وفاء لتضحيات من سقطوا في سبيل الواجب، ووفاء أيضًا لقيم الجمهورية التي يفترض أن تظل البوصلة.
لكن هذه الذكرى تطرح، في المقابل، أسئلة لا يمكن تجاهلها. كيف يمكن تطوير المنظومة الأمنية لتواكب التحديات التكنولوجية والرقمية المتسارعة؟ ما موقع التكوين المستمر في بناء أمن جمهوري حديث؟ وكيف يمكن تعزيز الثقة بين المواطن ورجل الأمن في ظل ذاكرة جماعية لا تزال مثقلة ببعض التوترات؟
و لقد أظهرت التجارب أن الأمن لم يعد مسألة أجهزة فقط، بل أصبح منظومة متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالردع، بل أيضًا بالوقاية، ولا يُبنى فقط بالقوة، بل بالثقة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الأمن والمجتمع، على قاعدة الشراكة لا التوجس..
وفي هذا السياق الاحتفالي يهمنا ان نتوقف عند حضور ، المرأة داخل المؤسسة الأمنية الذي يحمل دلالة خاصة، إذ يعكس تحوّلًا في الذهنيات وفي تصور الأدوار، ويؤشر إلى انفتاح أكبر على مقاربة أكثر شمولية وإنسانية للعمل الأمني. كما أن تكريم الإطارات والأعوان في هذه المناسبة ليس مجرد لفتة رمزية، بل هو اعتراف بجهود يومية مضنية غالبًا ما تبقى بعيدة عن الأضواء..
إذن سبعون عامًا هي عمر المؤسسة الأمنية وهي أيضًا مرآة لبلد بأكمله. فبقدر ما تطوّرت الدولة، تطوّر جهازها الأمني، وبقدر ما تعقّدت التحديات، تعقّدت مهامه. واليوم، تقف تونس أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة بناء الثقة، وتعزيز النجاعة، وترسيخ أمن جمهوري يضع المواطن في قلب أولوياته..
شهر التراث في تونس: العمارة فن متعدد الروافد
تنطلق اليوم في تونس فعاليات شهر التراث، ذلك الموعد الثقافي السنوي الذي تحوّل، عبر ا…












