2026-05-30

رحيل اخر حكماء القرن ادغار موران : ذاك الذي علمنا كيف نعيش في عصر اللايقين

برحيل المفكر وعالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران عن عمر ناهز 104 أعوام، لا يطوي العالم صفحة رجل استثنائي فحسب، بل يودّع أحد آخر حكماء القرن العشرين الذين عاشوا التحولات الكبرى للتاريخ، وحاولوا أن يمنحوا الإنسان أدوات لفهم عالم يزداد تعقيداً واضطراباً يوماً بعد يوم
لم يكن موران من أولئك المفكرين الذين يبحثون عن أجوبة سهلة لأسئلة معقدة، ولا من الذين يلوذون باليقين هرباً من قلق الوجود. على العكس من ذلك، بنى مشروعه الفكري بأكمله على الاعتراف بالتعقيد، وعلى الإقرار بأن الحياة البشرية ليست مساراً مستقيماً يمكن التنبؤ به، بل رحلة مفتوحة على المفاجآت والاحتمالات والانكسارات.
في سياق تتسارع فيه الأحداث مما يجعل المستقبل أكثر غموضاً من أي وقت مضى، تبدو كلمات موران وكأنها كُتبت لأيامنا هذه. فحين يقول إن “كل حياة هي ملاحة في بحر من صنوف عدم اليقين، تتخللها بضع جزر أو أرخبيلات من الأمور اليقينية”، فإنه لا يصف تجربته الشخصية فحسب، بل يلخّص حال البشرية بأسرها في القرن الحادي والعشرين.
في عالم تتراجع فيه اليقينيات الكبرى، وتتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية والبيئية والتكنولوجية، حتى بات الإنسان يشعر بأنه يبحر وسط أمواج متلاطمة دون خرائط واضحة.
والأكيد ان موران أدرك مبكراً أن الخطر الأكبر لا يكمن في الجهل وحده، بل في وهم المعرفة المطلقة. لذلك دعا إلى ما أسماه “الفكر المركب”، أي التفكير الذي يعترف بتشابك الظواهر وترابطها، ويرفض اختزال الإنسان أو المجتمع أو التاريخ في تفسير واحد. فالعالم، في نظره، أكبر من أن يُفهم عبر رؤية أحادية، والإنسان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في هوية أو عقيدة أو انتماء واحد.
ومن بين أكثر الدروس عمقاً التي تركها موران، ذلك الإيمان النادر بضرورة الجمع بين النقد والأمل. فقد ظل طوال حياته يلاحظ ما هو “قاسٍ وعنيد وعديم الرحمة في الإنسانية”، لكنه في الوقت نفسه لم يتوقف عن رؤية ما هو “نبيل وكريم وطيب” فيها.
وهو لم يكن متفائلاً ساذجاً، ولا متشائماً يائساً، بل كان يؤمن بأن الاعتراف بظلمات العالم لا يمنع البحث عن أنواره
ولعل هذا ما يجعل فكره راهناً اليوم أكثر من أي وقت مضى.
.ففي عصر الاستقطاب الحاد، وانتشار الأخبار الزائفة، وصعود الخطابات المتعصبة، تبدو دعوته إلى النقد الذاتي وإلى احترام الإنسان دون تقديس الأفكار دعوة ملحّة لإنقاذ المجال العام من الانغلاق الفكري.
فقد كان موران يرى أن النقد الذاتي ليس ضعفاً، بل “وقاية نفسية جوهرية”، وأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على مراجعة نفسها تصبح أسيرة أوهامها.
حتى نظرته إلى الشيخوخة حملت بعداً فلسفياً وإنسانياً عميقاً.
فالرجل الذي تجاوز المئة عام لم يعتبر التقدم في السن نهاية للحياة، بل فرصة لاستخلاص حكمة المراحل السابقة. وكان يعتقد أن الشيخوخة الجميلة هي تلك التي تحتفظ بفضول الطفولة، وطموح الشباب، ومسؤولية النضج. وربما لهذا السبب ظل موران حتى سنواته الأخيرة حاضراً في النقاشات الفكرية الكبرى، متابعاً للعالم بعين متسائلة لم تفقد دهشتها. برحيل إدغار موران، يخسر الفكر الإنساني صوتاً استثنائياً دافع عن التعقيد في زمن التبسيط، وعن الحوار في زمن الانقسام، وعن الأمل في زمن القلق. لكن إرثه الفكري يبقى شاهداً على أن الحكمة لا تكمن في امتلاك الأجوبة النهائية، بل في امتلاك الشجاعة الكافية لمواجهة الأسئلة
الكبرى دون وجل.
و اليوم يغيب عن عالمنا الرجل الذي عاش أكثر من قرن، لكن
الدرس الذي علّمنا إياه سيظل حياً في اذهاننا : لا أحد يملك مفاتيح المستقبل، غير أن الإنسان يستطيع أن يواجه عدم اليقين بالمعرفة، وأن يواجه الفوضى بالفكر، وأن يواجه قسوة العالم بالحفاظ على قدرته الدائمة على الدهشة.

‫شاهد أيضًا‬

ذكرى معركة رمادة : ملحمة جسدت إرادة الحياة في وجه المستعمر الغاشم

تحي تونس اليوم ذكرى معركة رمادة وهي من المحطات التاريخية المهمة في ذاكرة التونسيين. فهذه ا…