2026-06-22

عندما ينتصر أبناء الهامش: هل كسرت البكالوريا التونسية منطق “الورثة” الذي تحدّث عنه بيار بورديو؟

في كل سنة ومع اعلان نتائج البكالوريا، تتجه الأنظار إلى المعدلات المتميزة والى التلاميذ المتفوقين وتحديدا أولئك الذين يتبوّؤون الصدارة على المستوى الوطني .
ويتداول الاعلام أسماء الأوائل وبعض التفاصيل عن محيطهم الاجتماعي وحكايات نجاحهم .
والحقيقة أن بعض قصص النجاح تتجاوز حدود الإنجاز المدرسي لتتحول إلى حدث اجتماعي وثقافي بامتياز. فعندما يعتلي منصة التفوق تلاميذ قدموا من مناطق تعيش هشاشة اقتصادية وتفاوتاً تنموياً عميقاً، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد نجاح فردي، بل بطرح سؤال سوسيولوجي عميق : ماذا تقول نتائج البكالوريا عن العدالة الاجتماعية في تونس ؟
وهذه السنة بالذات ونحن في غمرة الاحتفال بنتائج البكالوريا تستوقفنا معطيات مهمة متصلة بجغرافية التفوق في هذا الامتحان الوطني المهم.
فمن الملاحظ ان هناك تحولا عميقا متصلا بمسألة التألق المدرسي رصدناه من خلال نتائج هذه السنة فقد تصدرت قائمة المتفوقين التلميذة ياسمين اليعقوبي من الكاف في شعبة الرياضيات وتألقت التلميذ رغد العشي من جندوبة في شعبة الآداب. ثم تفوق التلميذ محمد الورتاني من سليانة في العلوم التقنية.
بالإضافة الى تفوق كل من ملكة الوحيشي في العلوم التجريبية من نابل ومحمد امين شوشان في علوم الإعلامية من المهدية واحمد المذيوب من صفاقس في الرياضة وادم الكوكي من معهد خاص في الاقتصاد والتصرف.

إذن أعادت نتائج البكالوريا لسنة 2026 إلى الواجهة صورة تونس المنسية تونس الداخلية التي غالباً ما تُختزل في مؤشرات الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية. غير أن أبناء هذه الجهات أثبتوا مرة أخرى أن الجغرافيا لا تستطيع أن تصادر الطموح، وأن التهميش المادي لا يلغي القدرة على صناعة التميز.
فمن مجموعة هؤلاء المتميزين ثمة ثلاثة متألقين من الشمال الغربي الذين يعاني أبناؤه من التهميش وهو ما يجعل الاحتفاء بهذا النجاح ذو طعم خاص طعم الكفاح والمثابرة والرغبة في التميز.
تماما كما ان هؤلاء المتوفقين المنحدرين من هذه الجهات لا يعكسون قطعا تكافؤ الفرص بل هم استثناءات في سياق اجتماعي واقتصادي يعرف اختلالات بنيوية معلومة.
وهنا لا نملك إلا ان نستحضر هنا أفكار عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو الذي خصص جزءاً كبيراً من أعماله لتحليل العلاقة بين المدرسة وإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية. ففي كتابه الورثة، يؤكد أن النجاح الدراسي ليس نتاج الموهبة الفردية وحدها، بل هو أيضاً ثمرة ما يسميه «الرأسمال الثقافي» الذي تورثه العائلات لأبنائها..
فالأسر الميسورة لا تنقل الثروة الاقتصادية فقط، بل تورث أبناءها لغة معينة، وعادات معرفية، وثقة بالنفس، وأساليب في التفكير والتعبير تجعلهم أكثر استعداداً للنجاح داخل المؤسسة التعليمية. أما أبناء الفئات الهشة، فإنهم يدخلون إلى المدرسة وهم مطالبون بخوض سباق غير متكافئ منذ البداية.
وفي كتابه التمييز، يذهب بورديو إلى أبعد من ذلك حين يبين أن المجتمع يميل إلى تحويل الامتيازات الاجتماعية إلى «استحقاقات» تبدو طبيعية، فيصبح النجاح وكأنه نتيجة الجهد الفردي فقط، بينما تُخفى وراءه شبكات معقدة من الامتيازات والفرص غير المتاحة للجميع..
ومن هذا المنظور، فإن تفوق تلاميذ قادمين من جهات تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة لا يجب أن يُقرأ باعتباره دليلاً على انتصار المساواة بشكل كامل، بل باعتباره تعبيراً عن قوة الإرادة الإنسانية في مواجهة شروط اجتماعية غير متوازنة..
إن هؤلاء التلاميذ لم ينتصروا على الامتحان فحسب، بل انتصروا على المسافات الطويلة التي تفصل مناطقهم عن مراكز المعرفة، وعلى نقص الإمكانيات، وعلى هشاشة البنية التحتية، وعلى شعور متراكم لدى سكان الجهات الداخلية بأنهم يقفون دائماً في الصف الثاني من التنمية الوطنية..
و لاشك ان تحويل قصصهم إلى حكايات بطولية مهم جدا ومحفز أيضا شريطة ان لا يكون نوعا من الحيف في حقهم.
باعتبار ان الدول الحديثة لا تُقاس بعدد الأبطال الذين يتجاوزون العقبات، بل بقدرتها على إزالة تلك العقبات من الأصل. فالعدالة التربوية لا تعني الاحتفاء بالاستثناء، بل تعني جعل التفوق أمراً عادياً ومتاحاً للجميع..
ومرة أخرى تثبت نتائج البكالوريا أن تونس لا تعاني من ندرة في الذكاء، بل من سوء توزيع الفرص. فالمواهب موجودة في كل الجهات، لكن الرأسمال الثقافي والتنموي لا يزال يتركز في جهات محددة ومحدودة دون غيره.

‫شاهد أيضًا‬

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس تفتح نقاشًا جديدًا حول التراث في العصر الرقمي

لم يعد التراث مجرد مادة محفوظة في الأرشيفات أو ذاكرة جامدة تُستعاد عند الحاجة، بل أصبح الي…