ضياء العوضي : حين يتحوّل اليأس الصحي إلى ظاهرة اجتماعية…
لم تكن ظاهرة ضياء العوضي مجرّد قصة طبيب أثار الجدل بنظام غذائي صادم، ولا مجرد سجال عابر بين مؤيدين ومعارضين على منصات التواصل الاجتماعي. ما حدث في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. لقد كشفت هذه الظاهرة عن تحولات اجتماعية ونفسية وثقافية يعيشها المجتمع العربي المعاصر، حيث باتت الثقة بالعلم التقليدي تهتز أحيانًا أمام سطوة الخطاب البسيط، والوعد السريع، والشخصية الواثقة التي تقدم نفسها باعتبارها “الحقيقة البديلة”.
في الظاهر، يبدو الأمر بسيطًا: طبيب يقدّم نظامًا غذائيًا مخالفًا للمألوف ” أسماه نظام الطيبات ، وملايين يتابعونه بحماس. لكن تحت هذا السطح تختبئ أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بعلاقة الإنسان المعاصر بجسده، وبالخوف من المرض، وبالإنهاك النفسي الناتج عن حياة سريعة ومضغوطة، وبأزمة الثقة المتزايدة في المؤسسات الطبية والإعلامية معًا..
لقد ظهر ضياء العوضي في لحظة عربية شديدة الخصوصية: مجتمعات تعاني من ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، وتكاليف علاج باهظة، وتجارب صحية مرهقة، إلى جانب فضاء رقمي مفتوح يسمح لأي خطاب جذاب بأن ينتشر بسرعة هائلة. في مثل هذا المناخ، يصبح الجمهور مستعدًا نفسيًا لتصديق أي شخص يعده بالخلاص، خاصة إذا تحدث بلغة تبدو علمية، وقدم نفسه باعتباره متمرّدًا على “المنظومة التقليدية.”.
وهنا تكمن نقطة جوهرية: الناس لم تكن تبحث فقط عن حمية غذائية، بل كانت تبحث عن أمل.
فالمريض المزمن الذي أنهكته الأدوية والتحاليل والمراجعات الطبية الطويلة لا يتعامل دائمًا بعقل بارد مع أي خطاب جديد. أحيانًا يتعلّق الإنسان بما يمنحه شعورًا بالسيطرة على حياته، حتى لو لم يكن ذلك مدعومًا بأدلة علمية راسخة. ولذلك فإن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد “سذاجة جماعية” يبدو تفسيرًا ناقصًا ومتعاليًا في الوقت نفسه.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن جزءً من جاذبية الظاهرة ارتبط بأسلوب الخطاب ذاته. فقد اعتمد على فكرة شديدة التأثير نفسيًا: “كل ما تعرفه خطأ”. هذه الفكرة تمنح المتلقي إحساسًا خفيًا بالتفوّق المعرفي، وكأنه اكتشف سرًا خفيًا غفلت عنه المؤسسات والخبراء. هنا يتحول الاختلاف عن السائد إلى مصدر للتمايز النفسي، لا إلى مجرد رأي علمي بديل.
كما أن عصر وسائل التواصل الاجتماعي غيّر طبيعة السلطة المعرفية نفسها. في الماضي، كانت المعرفة تمر عبر الجامعات والكتب والمؤسسات العلمية. أما اليوم، فقد أصبحت الكاميرا والهاتف والمنصة الرقمية أدوات قادرة على صناعة “خبير” خلال أشهر قليلة. لم يعد الجمهور ينجذب بالضرورة إلى الأكثر تخصصًا، بل إلى الأكثر حضورًا وتأثيرًا وقدرة على مخاطبة المخاوف اليومية بلغة بسيطة ومباشرة.
ومن أخطر ما كشفت عنه هذه الظاهرة أن المجتمعات العربية لا تعاني فقط من نقص المعلومات، بل من ضعف الثقافة النقدية. فامتلاك شهادة جامعية لا يعني دائمًا امتلاك أدوات التفكير العلمي، كما أن رفض الخطاب التقليدي لا يعني تلقائيًا امتلاك وعي نقدي حقيقي. التفكير النقدي ليس تصديق كل جديد، ولا رفض كل مختلف، بل القدرة على السؤال: أين الدليل؟ وما حدود هذا الطرح؟ وهل توجد دراسات موثوقة تدعمه؟ وهل يصلح للجميع أم لبعض الحالات فقط؟
لكن من الظلم أيضًا تحميل شخص واحد مسؤولية أزمة معقدة بهذا الحجم. فظاهرة ضياء العوضي ليست سببًا بقدر ما هي نتيجة. نتيجة لفراغ معرفي، ولعلاقة مضطربة بين الناس والمؤسسات، ولثقافة رقمية سريعة تفضّل الإجابات المبسطة على التفسيرات العلمية المعقدة.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش وسط فيضان هائل من المعلومات المتناقضة: طبيب يقول شيئًا، وخبير تغذية يقول عكسه، ومؤثر على الإنترنت يقدم “الحقيقة النهائية”. وسط هذه الفوضى، يتراجع أحيانًا صوت العلم الهادئ أمام الخطاب الحاسم والواثق، حتى لو كان الأخير أقل دقة.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن هذه الظواهر لا تنتشر لأن الناس تكره العلم، بل لأنها تبحث عنه بطريقة مرتبكة. الناس تريد أن تفهم أجسادها، وأن تشفى، وأن تعيش بصورة أفضل. لكنها في كثير من الأحيان تقع بين خطاب علمي معقد يصعب تبسيطه، وخطاب شعبوي يبسط كل شيء إلى درجة التضليل.
لذلك فإن مواجهة مثل هذه الظواهر لا تكون بالسخرية من الناس أو احتقارهم، بل ببناء ثقافة علمية أكثر قربًا من الإنسان، وأكثر قدرة على الشرح والإقناع. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع المعلومات الخاطئة، بل مع الطريقة التي نفهم بها المعرفة نفسها في عصر المنصات الرقمية.
ولعل اخطر ما في الموضوع ان هذه الظاهرة ان الامر اصبح اكثر تعقيدا بعد رحيله فقد سارع الكثير من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الى الترويج لنظامه الغذائي مع إضفاء هالة من القدسية عليه وهذا مكمن الخطر وهو ما يجعلنا نطرح جملة من الأسئلة :
: لماذا نصدق بسهولة من يتحدث بثقة؟ لماذا ننجذب إلى الحلول البسيطة؟ وكيف يمكن للمجتمعات أن توازن بين حق الناس في البحث عن بدائل، وبين ضرورة حماية الوعي العام من التضليل؟
مسلسل كان يا ما كان : غوص في العوالم المسكوت عنها في الحياة الزوجية
يأتي مسلسل كان ياما كان كواحد من الأعمال الدرامية الاجتماعية التي اختارت الغوص في منطقة حس…











