2026-05-03

استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة بيـــن الإيجابيات والتحديات

مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل متسارع أصبحت هذه التقنيات جزءا لا يتجزأ من مجالات عديدة وخاصة في عالم الكتابة والتأليف فبات الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتحسين جودة الكتابة الأكاديمية وتسهيل عملية الإنتاج وحتى تقديم حلول لعوائق او مشاكل لم يكن حلها أمرا سهلا في الماضي.

وفي حضرة الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة والتأليف بات من الضروري طرح العديد من الأسئلة حول ما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في الكتابة؟ وما هي الانعكاسات أو التحديات التي قد تواجه الكاتب عند استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

فوائد الذكاء الاصطناعي في الكتابة

ويمكننا البدء بإيجابيات استخدام الذكاء الاصطناعي التي تتمثل في الكتابة بشكل عام في تحسين أسلوب الكتابة إذ يعمل الذكاء الاصطناعي على تحليل الجمل والأسلوب بدقة ويقدم اقتراحات حول كيفية تحسين بنية الجمل وتسلسل الأفكار واختيار الكلمات المناسبة ويسهم ذلك في جعل النص أكثر وضوحا وسهولة في الفهم وعلاوة على ذلك يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على تنظيم النص بما يضمن تسلسلا منطقيا للأفكار مما يجعل النص أكثر تماسكا حيث تتولى هذه الأدوات تحسين الجوانب اللغوية والتنسيقية.

ويعتبر العديد من الخبراء و المختصين في الكتابة و التأليف و في مجال البحث العلمي  ان  اقتحام الذكاء الاصطناعي لمجالات الكتابة الأدبية والعلمية  يعد ثورة تقنية ومعرفية كبيرة فبقدر ما تحمله هذه التكنولوجيا من وعود لتسريع وتيرة الإنتاج وتوسيع آفاق الإبداع إلا أنها تثير في المقابل مخاوف كبرى تتعلق بجوهر الفعل الإبداعي وموثوقية المعرفة  ويتبنى الدكتور الطيب الطويلي هذا الموقف من  استعمال الذكاء الاصطناعي حيث صرح لـ”الصحافة اليوم ” إن التوازن بين استغلال هذه الأداة والحفاظ على تفرّد العقل البشري يمثل التحدي الأهمّ في عصرنا الحالي مضيفا  ان الجوانب الإيجابية لهذه التقنية أنها تعمل كـمحفّز للأفكار وتساعد على تجاوز معضلة الورقة البيضاء التي تواجه كثيرا من الكتاب الذين يجدون الصعوبة في إيجاد النقطة الأولى أو الجملة القادحة لبقية العمل فتوفر هذه التقنيات خيارات عديدة قد لا تكون موجودة في ذهن الكاتب في البداية وتدفعه فيما بعد للتفرع وفتح آفاق أخرى لعمله الإبداعي أو الأكاديمي. كما أن هذه التقنيات تحتوي على مقدرة عالية على تنظيم البيانات الضخمة وتلخيصها مما يوفر وقتاً للباحثين للتركيز على التحليل النقدي بدلاً من الانشغال بالتنسيق اللغوي والهيكلي فهي مُربحة للوقت قادحة لمسالك إبداعية دون شكّ ..

الذكاء الاصطناعي بين التحديات الأخلاقية والإبداعية

هذه التقنيات المستخدمة للذكاء الاصطناعي كما ذكرنا سابقا لها العديد من الإيجابيات المتفق عليها من قبل العديد من الخبراء الا انها لا تخلو من السلبيات أو الإشكالات التي أصبحت المحور الأول للاهتمامات الأكاديمية والفكرية في الجامعات العربية والعالمية في الفترة الأخيرة. أهم هذه السلبيات حسب محدثنا هي أنها قد تؤدي إلى تقليص الروح الإبداعية للكتاب وسيادة النمطية التي قد تغزو مختلف الأعمال التي تتكئ على الذكاء الاصطناعي و هنا يمكن  الحديث عن نتيجة خطيرة  تتمثل في فقدان البصمة الإنسانية فالأدب هو انعكاس لتجارب وجودية واجتماعية لا تملكها الخوارزميات كما أن الأدب هو مجموعة من المصطلحات والتراكيب اللغوية التي تختلف من كاتب لآخر حسب تنشئته الاجتماعية والقاموس اللغوي الذي اعترضه في قريته أو مدينته وهي كلها قواميس لا يمكن أن يعرفها الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد على التنبئ الإحصائي للتّراكيب وفقا لقواعد بيانات سابقة لا علاقة لها بالمعيش اليومي أو الإحساس البشري.  ويمكن اعتبار اهم تحدي يواجه عالم الكتابة بصفة عامة هي الخوف أن تسود النمطية عبر إنتاج نصوص متشابهة تفتقر إلى الإبداع أو الصور الشعرية المبتكرة وتسطيح التجربة الإنسانية باعتبار أنه ينتج نصا آليا يتم فيه إنتاج عاطفة محاكاة وليست نابعة من شعور حقيقي مما يجعل النص يبدو بارداً ومصطنعاً كما أنه قد يكون قد سبق إنتاجه في مدوّنة أخرى من النصوص العالمية.

مسألة أخرى تعد من أبرز التحديات التي تواجه الباحثين والكتاب في استخدام الذكاء الاصطناعي وهي المسألة الأخلاقية لا سيما على مستوى ما يتعلق بالأمانة العلمية فهل يمكن اعتبار الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار أو تحسين النصوص انتهاكا للمبادئ الأكاديمية التي تركز على الأصالة والتفكير النقدي؟ ويقول الدكتور الطيب الطويلي في هذا السياق أن مسألة حقوق الملكية عبر طرح تساؤلات أخلاقية حول المالك الأصلي لهذا الإبداع إذا كان نتاجاً للآلة فهل يحق للكاتب فعلا أن ينسبه إلى نفسه؟

بالإضافة الى اننا  نكون أمام ملايين الكتاب المحتملين الذين يمكنهم أن يكتبوا كتبا برمّتها دون أن يكونوا قادرين فعليا على تركيب جملة صحيحة واحدة وهنا نكون  في قلب الإشكال المعرفي والأخلاقي للذكاء الاصطناعي وتهديد الموثوقية في السياق العلمي حيث تتجاوز السلبيات مسألة الجماليات أو “أنسنة “الإبداع لتصل إلى خطر التضليل…فمن أبرز هذه المخاطر أن الذكاء الاصطناعي قد يخترع مراجع وهمية أو يدمج حقائق علمية متضاربة بأسلوب مقنع ومنهجي مما يهدد دقة الأبحاث وصدقيّتها.فمثلا مسألة تحويل الانتدابات والترقيات داخل الجامعة إلى رهينة كمّيّة لأعداد وكميات الأبحاث المنشورة دفع عددا كبيرا من الباحثين إلى الاعتماد التام على هذه التقنيات في صياغة الأوراق العلمية من أجل تحسين ملفاتهم  وحتى يجدوا موطأ قدم في التدريس والجامعة وهو ما أضعف قدرة الباحثين على التفكير النقدي وتفكيك المشكلات المعقدة بأنفسهم وهو ما يفسر أن عددا كبيرا من الباحثين الذين يعدون ملفات ترشح ضخمة للنجاح في مناظرات الانتداب والترقية قد تصل إلى آلاف الصفحات المعدة في بضع سنين ثم وبعد النجاح في هذه المناظرات يختفي الباحث كليا ويغيب عن مشهد أكاديمي وعن فعل الكتابة الذي نجح منذ مدة في أن يخطّ فيه أكثر من ألف ورقة في أقل من سنة.

و يرى الدكتور الطويلي ان على الذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة لتعزيز القدرات البشرية وليس بديلاً عنها وفي الكتابة الأدبية تظل التجربة الإنسانية هي المعيار فمن غير المعقول أن يفوّض الكاتب الآلة للتعبير عن مشاعره واختلاجاته, أما في الكتابة العلمية فتظل الأمانة العلمية والدقة الأكاديمية مسؤولية الباحث وحده حيث  الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يحول الثقافة الإنسانية إلى صدى لبيانات خزّنها غيره بدلاً من أن تكون تياراً فكريا متجدداً ومتطورا و على الباحثين و الكتاب تذكر أن الآلة تملك الكثير من المعلومات لكن الإنسان وحده من يملك الكثير من الخيال والإبداع.

لا  شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة حقيقية في الكتابة بمختلف مجالاتها الأدبية و العلمية  من خلال تحسين دقة اللغة وتسريع الإنتاجية  وتوفير أدوات تحليلية تساعد على تحسين جودة الأبحاث ورغم ذلك يظل الاستخدام المسؤول لهذه الأدوات أمرا ضروريا لضمان الحفاظ على أصالة الكتابة الأكاديمية والابتكار العلمي وفي ظل التحديات الأخلاقية والتقنية التي تثيرها هذه الأدوات فإن الباحثين بحاجة إلى مزيد من التأمل والنقاش حول كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع القيم  الأخلاقية و الإبداعية  الأساسية في هذا المجال.

‫شاهد أيضًا‬

مهرجان قرطاج للمونودراما في دورته الثامنة: «ع المعبر» عمل مونودرامي يختزل معاناة الشعب الفلسطيني

ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان قرطاج الدولي للمونودراما بتونس وفي إطار المسابقة الرس…