إطلاق العلامة الوطنية الموحّدة للدفع عبر الهاتف الجوال «TUNPAY»: تونس تفتح صفحة جديدة في الاقتصاد الرقمي
دخلت تونس رسميًا مرحلة جديدة في مسار تحديث منظومتها المالية والرقمية بإعلان البنك المركزي التونسي يوم 5 ماي 2026 إطلاق العلامة الوطنية الموحدة للدفع عبر الهاتف الجوال «TUNPAY» في خطوة وصفها المختصون بأنها من أبرز محطات تطوير وسائل الدفع الإلكتروني في البلاد خلال السنوات الأخيرة. ولا يتعلق الأمر بمجرد إطلاق هوية بصرية أو خدمة تقنية إضافية بل بمشروع وطني يرمي إلى توحيد منظومة الدفع عبر الهاتف الجوال تحت علامة واحدة واضحة وسهلة التعرف بالنسبة للمواطن والتاجر والمؤسسة بما يسمح بإرساء بيئة دفع رقمية أكثر انسجامًا ومرونة وأمانًا.
وبحسب المعطيات التي نشرها البنك المركزي فإن إطلاق «TUNPAY» تم بالتنسيق مع شركة نقديات تونس باعتبارها الجهة المشرفة على نظام الدفع عبر الهاتف المحمول في تونس وذلك بهدف توحيد الهوية البصرية لنقاط القبول والخدمات الرقمية المرتبطة بالدفع عبر الهاتف الجوال سواء لدى التجار أو التطبيقات أو الفروع أو وكلاء الدفع.
ويأتي هذا المشروع في وقت يشهد فيه القطاع المالي التونسي تحولات متسارعة مدفوعة بتنامي استخدام الخدمات الرقمية وتوسع التجارة الإلكترونية وتزايد الحاجة إلى حلول دفع فورية وسهلة تقلّص الاعتماد على السيولة النقدية والمعاملات التقليدية. وقد عرفت تونس خلال السنوات الماضية ظهور عدة خدمات ومحافظ إلكترونية أطلقتها بنوك ومؤسسات مالية و مزودو خدمات دفع، غير أن هذا التنوع رغم أهميته خلق نوعًا من التشتت لدى المستخدمين سواء من حيث التطبيقات أو طرق الاستخدام أو نقاط القبول لدى التجار. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق «TUNPAY» باعتبارها مظلة وطنية موحدة تجمع مختلف خدمات الدفع عبر الهاتف الجوال ضمن هوية واحدة بما يسهّل على المستخدم التعرف على خدمات الدفع الرقمي واستعمالها بثقة أكبر بغض النظر عن البنك أو المؤسسة المالية التي يتعامل معها. ويهدف هذا التوحيد كذلك إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين مختلف المتدخلين في السوق حتى تصبح عمليات الدفع والتحويل أكثر سلاسة ونجاعة سواء بين الأفراد أو المؤسسات أو التجار.
أرقام تكشف تحوّلًا فعليًا في سلوك التونسيين
إطلاق «TUNPAY» لم يأتِ في فراغ بل يستند إلى تطور واضح في استخدام وسائل الدفع الرقمية في تونس خلال السنوات الأخيرة. فوفق المعطيات التي نشرها البنك المركزي التونسي سجل الدفع عبر الهاتف الجوال خلال سنة 2025 نموًا لافتًا بنسبة 81 بالمائة من حيث عدد العمليات لتبلغ المعاملات المنجزة حوالي 8.4 ملايين عملية بقيمة مالية تناهز 1.769 مليار دينار.
كما شهدت المدفوعات الإلكترونية عبر مواقع التجارة الإلكترونية ارتفاعًا متواصلاً مقابل تراجع استعمال وسائل الدفع التقليدية وعلى رأسها الشيكات التي عرفت انخفاضًا كبيرًا في عدد المعاملات. وتعكس هذه المؤشرات تغيرًا تدريجيًا في الثقافة المالية لدى التونسيين خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وتحسن الخدمات الرقمية وتزايد الإقبال على الحلول غير النقدية في الحياة اليومية.
ورغم الطابع التقني للمشروع فإن رهاناته الحقيقية تتجاوز مجرد تطوير وسائل الدفع. فالدولة التونسية تراهن من خلال «TUNPAY» على دعم الشمول المالي عبر تمكين فئات أوسع من النفاذ إلى الخدمات المالية الرقمية خاصة في المناطق الداخلية أو لدى الفئات التي لا تستعمل الحسابات البنكية بشكل منتظم. ويُنظر إلى الهاتف الجوال اليوم باعتباره الأداة المالية الأكثر انتشارًا وقدرة على الوصول إلى مختلف الشرائح الاجتماعية وهو ما يجعل الدفع عبر الهاتف أحد أهم أدوات إدماج الاقتصاد غير المنظم داخل الدورة الاقتصادية الرسمية. كما يمكن لهذه المنظومة أن تساهم في تقليص حجم التداول النقدي والحد من الاقتصاد الموازي وتحسين شفافية المعاملات المالية فضلًا عن تخفيف الضغط على البنية التقليدية للخدمات البنكية.
منافسة بنكية والثقة والأمن الرقمي
هما التحدي الأكبر
ويتزامن إطلاق «TUNPAY» أيضًا مع تسارع واضح في توجه البنوك والمؤسسات المالية نحو تطوير خدماتها الرقمية. فقد أعلن البنك التونسي للتضامن في اليوم نفسه عن إطلاق خدمتي «BTS PAY» و«BTS NET»، وهوما يؤكد دخول البنوك العمومية والخاصة مرحلة جديدة من المنافسة الرقمية. كما بدأت عدة مؤسسات بنكية خلال الفترة الأخيرة في تعزيز خدماتها الخاصة بالدفع والتحويل عبر الهاتف والإنترنت، في مؤشر على دخول القطاع البنكي التونسي مرحلة جديدة من المنافسة القائمة على الابتكار الرقمي وجودة الخدمات غير الحضورية. ويبدو أن السنوات القادمة ستشهد توسعًا أكبر في الخدمات المرتبطة بالدفع الذكي سواء في النقل أو التجارة أو الخدمات العمومية أو تحويل الأموال بما يحوّل الهاتف الجوال تدريجيًا إلى «محفظة رقمية» متكاملة للاستخدام اليومي.
ورغم المؤشرات الإيجابية فإن نجاح «TUNPAY» لن يرتبط فقط بتوفير التكنولوجيا بل أيضًا بقدرة المنظومة على كسب ثقة المستخدمين. فلا تزال شريحة من التونسيين متحفظة تجاه وسائل الدفع الرقمية سواء بسبب المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني أو ضعف الثقافة المالية الرقمية أو التعلق بالنقد التقليدي. كما يظل تعميم نقاط الدفع الإلكترونية لدى التجار خاصة الصغار منهم أحد التحديات الأساسية لإنجاح هذا التحول. ولهذا يؤكد مختصون أن المرحلة القادمة ستتطلب جهودًا كبيرة في مجالات التوعية الرقمية والتثقيف المالي وتطوير أنظمة الحماية والأمن المعلوماتي لضمان استعمال واسع وآمن لهذه الخدمات.
ويعكس إطلاق «TUNPAY» عامة إرادة واضحة لتحديث البنية المالية التونسية ومواكبة التحولات العالمية في مجال الاقتصاد الرقمي. ومع التطور المتسارع للتكنولوجيا المالية وتغير سلوك المستهلكين، تبدو تونس اليوم أمام فرصة حقيقية للانتقال التدريجي من اقتصاد قائم على النقد إلى اقتصاد رقمي أكثر سرعة وشفافية واندماجًا. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا المشروع من مجرد منصة تقنية أو علامة تجارية جديدة إلى ممارسة يومية راسخة داخل حياة التونسيين بما يجعل الدفع عبر الهاتف الجوال جزءًا طبيعيًا من المعاملات الاقتصادية والخدمات اليومية في تونس المستقبل.
منتدى تكنولوجيا المعلومات الصحية 2026: دفعٌ جديد لمسار التحول الرقمي في المنظومة الصحية
اختُتمت يوم أمس فعاليات منتدى تكنولوجيا المعلومات الصحية 2026، الذي التأم على امتداد يومين…

