2026-05-08

تنظيم غائب وأسعار مفتوحة: فوضى «التعريفات» في المهن الحرفية تؤرق التونسيين

تحوّلت كلفة الخدمات الحرفية في تونس خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المسائل اليومية إثارة للتذمر والاحتقان بين المواطنين، في ظل غياب تعريفات موحدة وواضحة تضبط أسعار التدخلات والخدمات في قطاعات حيوية على غرار الميكانيك والبناء والدهن و«الطولة» وإصلاح الكهرباء والماء والتبريد وغيرها من المهن التي ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للتونسيين.

وبات المواطن يجد نفسه في مواجهة أسعار متفاوتة بشكل لافت لنفس الخدمة، من منطقة إلى أخرى، بل وأحيانا بين حرفي وآخر في الحي ذاته، وسط غياب مرجعية رسمية أو تسعيرة تقريبية يمكن الاحتكام إليها عند الاختلاف أو الشعور بالمغالاة وهو ما خلق حالة من الضبابية وعدم الثقة بين الحرفاء وأصحاب المهن الحرفية، رغم أهمية هذه القطاعات ودورها الاقتصادي والاجتماعي الكبير.

ويؤكد عدد من المواطنين أن الإشكال لا يتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل أساسا بعدم وضوحها منذ البداية، حيث يتم في كثير من الأحيان الاتفاق شفويا على التدخل قبل أن يفاجأ الحريف بمبلغ مختلف عند انتهاء الأشغال، سواء تعلق الأمر بإصلاح عطب ميكانيكي بسيط أو أشغال دهن أو تمديدات كهربائية أو إصلاحات صحية منزلية.

وفي قطاع الميكانيك على وجه الخصوص، تتكرر شكاوى الحرفاء بشأن تضخم كلفة اليد العاملة وغياب فواتير مفصلة توضح ثمن تركيب واصلاح قطع الغيار وساعات العمل، ما يجعل المواطن عاجزا عن تقييم ما إذا كان السعر منطقيا أم مبالغا فيه. والأمر ذاته ينسحب على قطاع البناء وتوابعه، حيث تختلف الأسعار باليوم  أو بكلفة المتر المربع بشكل كبير، وفق تقديرات شخصية لا تخضع في الغالب إلى أي تأطير مهني واضح.

في مهن الدهن و«الطولة» والنجارة والألمنيوم والتكييف والكهرباء، ساهم ارتفاع أسعار المواد الأولية وتراجع القدرة الشرائية في مزيد تعقيد العلاقة بين الحرفي والحريف، إذ يرى الحرفيون أنهم يعملون في ظروف اقتصادية صعبة ويواجهون بدورهم ارتفاع تكاليف المعدات والنقل والضرائب، في حين يعتبر المواطن أن بعض الأسعار أصبحت مرهقة ولا تتناسب مع مستوى الدخل في تونس.

هذا الجدل ليس جديدا، فقد طُرح ملف تنظيم تعريفات المهن الحرفية أكثر من مرة خلال السنوات التي سبقت سنة 2019، سواء في الاعلام أو عبر تصريحات سياسية ونقابية ومطالب صادرة عن منظمات مهنية وجمعيات حماية المستهلك. وتم الحديث آنذاك عن ضرورة وضع تسعيرات مرجعية تقريبية لبعض الخدمات الأساسية، بما يحفظ حقوق الحرفي ويضمن في الآن نفسه حماية الحريف من الاستغلال أو الفوضى.

كما تم التداول حول فكرة إرساء دفاتر شروط أكثر صرامة وإجبارية الاستظهار بالفواتير والتقديرات المسبقة للأسعار قبل انطلاق الأشغال، إضافة إلى بعث هياكل مهنية أو منصات رقمية تساعد المواطن على معرفة المعدلات المعمول بها في السوق. غير أن تلك المقترحات بقيت في حدود النقاشات والتصريحات دون أن تتحول إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع.

ويرى متابعون أن غياب التنظيم لا يضر فقط بالمستهلك، بل أيضا بالحرفيين الجادين الذين يجدون أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع ممارسات عشوائية أحيانا، خاصة في ظل توسع النشاط الموازي وغياب الرقابة الجبائية والمهنية في بعض القطاعات. كما أن انعدام معايير واضحة للأسعار والخدمات يؤثر على صورة المهن الحرفية التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني وتشغل آلاف التونسيين.

في المقابل، يحذر بعض الحرفيين من أن فرض تسعيرات جامدة قد يكون غير عملي، باعتبار اختلاف نوعية التدخلات وتفاوت كلفة المواد والمسافات وطبيعة العمل المطلوب، داعين عوضا عن ذلك إلى اعتماد تعريفات تقريبية مرنة يتم تحيينها دوريا بالتشاور مع أهل المهنة والمنظمات المختصة.

بين مطالب المواطنين بضرورة وضع حد للفوضى وحماية القدرة الشرائية، وتمسك الحرفيين بحقهم في ضمان هامش ربح يحفظ استمرارية نشاطهم، يبقى ملف تنظيم المهن الحرفية والتعريفات المهنية من الملفات المؤجلة التي تعود بقوة إلى واجهة النقاش الاجتماعي مع بداية كل صيف حيث يتم الاقبال بكثرة على هذه الخدمات.

‫شاهد أيضًا‬

وزارة الصحة تحذّر: الأنظمة الغذائية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي قد تهدّد صحتكم

دعت وزارة الصحة إلى ضرورة التعامل بحذر مع الأنظمة الغذائية المنتشرة عبر شبكات التواصل الاج…