2026-05-10

حين يصبح ا لمختبر قضية وطن: البحث السريري بوّابة تونس إلى السيادة الصحية

الصحافة‭ ‬اليوم‭ : ‬عادل‭ ‬البرينصي

في‭ ‬عالمٍ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬الحروب‭ ‬تُخاض‭ ‬بالسلاح‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بالدواء‭ ‬والمعرفة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬البحث‭ ‬السريري‭ ‬نشاطاً‭ ‬معزولاً‭ ‬داخل‭ ‬الجامعات‭ ‬أو‭ ‬المستشفيات‭. ‬لقد‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬للدول‭ ‬و‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تُنتج‭ ‬المعرفة‭ ‬الطبية‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬مرضاها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تصنع‭ ‬نفوذها‭ ‬أيضاً‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬تصريحات‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬مصطفى‭ ‬الفرجاني،‭ ‬خلال‭ ‬افتتاح‭ ‬اليوم‭ ‬العلمي‭ ‬المنظم‭ ‬ببيت‭ ‬الحكمة‭ ‬بمناسبة‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للبحث‭ ‬السريري،‭ ‬أهمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الطابع‭ ‬الأكاديمي‭. ‬فحين‭ ‬يؤكد‭ ‬وزير‭ ‬الصحة‭ ‬أن‭ ‬البحث‭ ‬السريري‭ ‬أصبح‭ ‬ارافعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتحول‭ ‬النظم‭ ‬الصحيةب،‭ ‬فهو‭ ‬يضع‭ ‬تونس‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬جديد‭: ‬إما‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬مستهلكة‭ ‬للمعرفة‭ ‬الطبية،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مساهم‭ ‬في‭ ‬إنتاجها‭.‬

الفرق‭ ‬بين‭ ‬الخيارين‭ ‬هائل‭.‬

في‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬كانت‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬تنتظر‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬المخابر‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬أدوية‭ ‬وعلاجات،‭ ‬ثم‭ ‬تحاول‭ ‬اللحاق‭ ‬بالنتائج‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فإن‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تريد‭ ‬مكاناً‭ ‬محترماً‭ ‬في‭ ‬الخريطة‭ ‬الصحية‭ ‬العالمية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بالاستيراد،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬الابتكار‭ ‬نفسها‭: ‬من‭ ‬البحث،‭ ‬إلى‭ ‬التجارب‭ ‬السريرية،‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة،‭ ‬ثم‭ ‬التصدير‭.‬

تونس،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬طرح‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬العلمي،‭ ‬تبدو‭ ‬مدركة‭ ‬لهذه‭ ‬الحقيقة‭.‬

الحديث‭ ‬عن‭ ‬الكفاءات‭ ‬الطبية‭ ‬والبحثية‭ ‬ليس‭ ‬مجاملة‭ ‬وطنية،‭ ‬تونس‭ ‬تمتلك‭ ‬بالفعل‭ ‬رصيداً‭ ‬بشرياً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬بشهادة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬وحتى‭ ‬المخابر‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬اختارت،‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة،‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬فرق‭ ‬تونسية‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة،‭ ‬تاريخياً،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الكفاءات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬البيئة‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬لهذه‭ ‬الكفاءات‭ ‬بأن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬وطنية‭ ‬منتجة‭.‬

ولهذا‭ ‬يصبح‭ ‬تطوير‭ ‬الإطار‭ ‬التنظيمي،‭ ‬ورقمنة‭ ‬المسارات،‭ ‬وحماية‭ ‬المعطيات‭ ‬الصحية،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تفاصيل‭ ‬تقنية‭. ‬إنها‭ ‬شروط‭ ‬أساسية‭ ‬لبناء‭ ‬منظومة‭ ‬بحث‭ ‬سريري‭ ‬محترمة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬العلمي‭.‬

أول‭ ‬هذه‭ ‬المكاسب‭ ‬هو‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬العلاج‭. ‬فالدول‭ ‬المنخرطة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬السريري‭ ‬تكون،‭ ‬عادة،‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬النفاذ‭ ‬المبكر‭ ‬إلى‭ ‬العلاجات‭ ‬الحديثة،‭ ‬وعلى‭ ‬تطوير‭ ‬بروتوكولات‭ ‬علاج‭ ‬متقدمة‭. ‬وهذا‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬المواطن،‭ ‬الذي‭ ‬يصبح‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الطب‭ ‬الحديث،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلقٍّ‭ ‬متأخر‭ ‬له‭.‬

كما‭ ‬لا‭  ‬تعتبر‭ ‬الصناعة‭ ‬الدوائية‭ ‬مجرد‭ ‬قطاع‭ ‬صحي،‭ ‬بل‭ ‬سوقا‭ ‬ضخمة‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات‭. ‬وحين‭ ‬تصبح‭ ‬تونس‭ ‬فضاءً‭ ‬جاذباً‭ ‬للتجارب‭ ‬السريرية‭ ‬والأبحاث،‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستقطب‭ ‬فقط‭ ‬الأدوية،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬والخبرات،‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث،‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬العالية‭.‬

ولعل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬مراكز‭ ‬التكافؤ‭ ‬الحيوي‭ ‬لتعزيز‭ ‬الصناعة‭ ‬الدوائية‭ ‬الوطنية‭ ‬يكشف‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬بوضوح‭. ‬فالصناعة‭ ‬الدوائية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الأقراص‭ ‬والأدوية‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬وعلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اختبار‭ ‬الفاعلية‭ ‬والجودة‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭. ‬وهذه‭ ‬المجالات‭ ‬تحديداً‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الدول‭ ‬موقعاً‭ ‬محترماً‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬التنافس‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬والمعرفة،‭ ‬تصبح‭ ‬صورة‭ ‬البلد‭ ‬العلمية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قوته‭ ‬الناعمة‭. ‬تونس،‭ ‬التي‭ ‬عُرفت‭ ‬طويلاً‭ ‬بكفاءاتها‭ ‬الطبية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬إقليمية‭ ‬للبحث‭ ‬السريري،‭ ‬خاصة‭ ‬نحو‭ ‬إفريقيا،‭ ‬حيث‭ ‬الحاجة‭ ‬متزايدة‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬بحث‭ ‬وعلاج‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوية‭ ‬ملائمة‭ ‬للواقع‭ ‬الصحي‭ ‬للقارة‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الطموح‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بالشعارات‭ ‬وحدها‭.‬

البحث‭ ‬السريري‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تمويل،‭ ‬وإلى‭ ‬شراكات‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص،‭ ‬وإلى‭ ‬جامعات‭ ‬ومخابر‭ ‬مرتبطة‭ ‬مباشرة‭ ‬بحاجيات‭ ‬السوق‭ ‬الصحية‭. ‬كما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬صارمة‭ ‬للمعطيات‭ ‬الصحية،‭ ‬لأن‭ ‬الثقة‭ ‬الرقمية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬الطبية‭.‬

ويحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬العقليات‭.‬

ففي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬باعتباره‭ ‬مجالاً‭ ‬نخبوياً‭ ‬معزولاً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭. ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬دواء‭ ‬آمن،‭ ‬وكل‭ ‬علاج‭ ‬جديد،‭ ‬وكل‭ ‬تطور‭ ‬في‭ ‬الطب،‭ ‬بدأ‭ ‬من‭ ‬بحث‭ ‬وتجربة‭ ‬ومعطيات‭ ‬وتحليل‭. ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬السريري‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬أكاديمياً،‭ ‬بل‭ ‬استثمار‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬المواطن‭ ‬وفي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬معاً‭.‬

العالم،‭ ‬بعد‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬فهم‭ ‬درساً‭ ‬قاسياً‭: ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬المعرفة‭ ‬الطبية،‭ ‬تبقى‭ ‬رهينة‭ ‬لمن‭ ‬يملكها‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬االسيادة‭ ‬الصحيةب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تعبير‭ ‬سياسي‭. ‬إنه‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مواطنيها،‭ ‬وتأمين‭ ‬علاجهم،‭ ‬وصناعة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مستقبلها‭ ‬الصحي‭ ‬بيدها‭.‬

تونس،‭ ‬وهي‭ ‬تخطو‭ ‬نحو‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الصفر‭. ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاستمرارية،‭ ‬وإلى‭ ‬رؤية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى،‭ ‬وإلى‭ ‬تحويل‭ ‬الكفاءات‭ ‬الموجودة‭ ‬من‭ ‬طاقات‭ ‬فردية‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭.‬

فالطب،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬علاجاً‭ ‬للأجساد‭ ‬إنه‭ ‬أيضاً‭ ‬علاج‭ ‬لفكرة‭ ‬التبعية‭ ‬نفسها‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

المجلس الإستراتيجي لهيئة الإستثمار: نحو تعزيز جاذبية تونس للإستثمار

عقدت الهيئة التونسية للاستثمار مؤخرا، دورتها الـ24 لمجلسها الاستراتيجي وتركزت أشغال الجلسة…