2026-05-20

‎في‭ ‬التعامل‭ ‬القيمي‭ ‬والقانوني‭ ‬مع‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين ‎أقوم‭ ‬المسالك‭.. ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬

‎كثيرة‭ ‬هي‭ ‬مشكلات‭ ‬الساعة‭ ‬وكثيرة‭ ‬هي‭ ‬القراءات‭ ‬بشأنها‭ ‬والتكي‭ ‬يفات‭ ‬المصاغة‭ ‬على‭ ‬المقاس‭ ‬وفقا‭ ‬لمصالح‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬أو‭ ‬أجندا‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬ولعلّ‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬أسال‭ ‬الحبر‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬وشغل‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬وخارجها‭ ‬هذه‭ ‬الأيام،‭ ‬وجود‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬الوافدين‭ ‬أساسا‭ ‬مما‭ ‬يُعرف‭ ‬بدول‭ ‬افريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭.‬

‎وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬فإن‭ ‬دخول‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشقاء‭ ‬الأفارقة‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬وبقائهم‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السكوت‭ ‬عنه‭ ‬والتغاضي‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬معالجته‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬القانون‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬وفي‭ ‬كنف‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬الانسان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ننشده‭ ‬لمئات‭ ‬وربما‭ ‬آلاف‭ ‬التونسيين‭ ‬المتواجدين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الضفة‭ ‬الشمالية‭ ‬للمتوسط‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬غير‭ ‬قانوني‭ ‬بوصفهم‭ ‬أيضا‭ ‬مهاجرين‭ ‬غير‭ ‬نظاميين،‭ ‬والحل‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هنا‭ ‬أمنيا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬شاملة‭ ‬تأخذ‭ ‬بعين‭ ‬الإعتبار‭ ‬عديد‭ ‬العناصر‭ ‬الإنسانية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتاريخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وغيرها‭..‬

‎وقد‭ ‬أكدت‭ ‬بلادنا‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬ونجاعة‭ ‬المقاربة‭ ‬الشاملة‭ ‬وعلى‭ ‬ضرورة‭ ‬الشراكة‭ ‬والندية‭ ‬وتقاسم‭ ‬الأعباء‭ ‬عند‭ ‬توقيع‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬بشأن‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاوروبي‭ ‬في‭ ‬جويلية‭ ‬2023‭ ‬والتي‭ ‬تنص‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الأمني‭ ‬لمكافحة‭ ‬شبكات‭ ‬تهريب‭ ‬البشر‭ ‬وإدارة‭ ‬الحدود‭ ‬وتسريع‭ ‬عمليات‭ ‬ترحيل‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭.‬

‎لقد‭ ‬أوفت‭ ‬تونس‭ ‬رغم‭ ‬الصعوبات‭ ‬والتحديات‭ ‬بالتزاماتها،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬تعترف‭ ‬بانخفاض‭ ‬عدد‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬القادمين‭ ‬بحرا‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬نحو‭ ‬السواحل‭ ‬الايطالية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬يقظة‭ ‬بواسل‭ ‬المؤسستين‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬جيراننا‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمتوسط،‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬حدودا‭ ‬مشتركة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬يتواصل‭ ‬تدفق‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الثقوب‭..!‬

‎وفي‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬الاراضي‭ ‬التونسية،‭ ‬لم‭ ‬تتأخر‭ ‬المساعدة‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬اأقوم‭ ‬المسالكب‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬القيمي‭ ‬والقانوني‭ ‬مع‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭. ‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬بشّرنا‭ ‬رئيس‭ ‬بعثة‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للهجرة‭ ‬بتونس‭ ‬عزوز‭ ‬السامري‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬المنتفعين‭ ‬ببرنامج‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬وإعادة‭ ‬الإدماج‭ ‬لفائدة‭ ‬المهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين،‭ ‬بلغ‭ ‬منذ‭ ‬انطلاقه‭ ‬سنة‭ ‬2022‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬اليوم،‭ ‬22‭ ‬ألفا‭ ‬و377‭ ‬مهاجر‭ ‬غير‭ ‬نظامي،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬2103‭ ‬مهاجرين‭ ‬خلال‭ ‬سنة‭ ‬2026‭ ‬وهي‭ ‬أرقام‭ ‬رسمية‭ ‬مطمئنة‭ ‬ومشجعة‭ ‬خصوصا‭ ‬وأن‭ ‬هناك‭ ‬استعدادا‭ ‬لتأمين‭ ‬عودة‭ ‬نحو‭ ‬400‭ ‬مهاجر‭ ‬إضافي‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭.‬

‎وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم‭ ‬أيضا،‭ ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬إحصاءات‭ ‬دقيقة‭ ‬حول‭ ‬عدد‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬إفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬تشير‭ ‬بعض‭ ‬المصادر‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬مهاجر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬0.6‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬البالغ‭ ‬نحو‭ ‬12‭ ‬مليون‭ ‬نسمة،‭ ‬علما‭ ‬وأن‭ ‬الجالية‭ ‬التونسية‭ ‬بالخارج‭ ‬تمثل‭ ‬حوالي‭ ‬3.7٪،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬مرتبط‭ ‬بحرية‭ ‬التنقل‭ ‬والعمل‭ ‬وكذلك‭ ‬تحديات‭ ‬الاوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬والعلمية‭ ‬كذلك‭..‬

‎إن‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬للمهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬رجوع‭ ‬المهاجر‭ ‬إلى‭ ‬بلده‭ ‬الأصلي‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬آخر‭ ‬يقبل‭ ‬استقباله،‭ ‬بموافقته‭ ‬ودون‭ ‬ترحيل‭ ‬قسري‭ ‬من‭ ‬السلطات‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬عملية‭ ‬هيّنة‭ ‬لذلك‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تتم‭  ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬مثل‭ ‬المنظمة‭ ‬الدولية‭ ‬للهجرة‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬حكومية‭.‬

‎إننا‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬للمهاجرين‭ ‬غير‭ ‬النظاميين‭ ‬بوصفها‭ ‬اأقوم‭ ‬المسالكب‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬فلأن‭ ‬فوائدها‭ ‬جليّة‭ ‬وفيها‭ ‬حماية‭ ‬للحقوق‭ ‬والحريات‭ ‬في‭ ‬حدودها‭ ‬الممكنة‭ ‬بالنظر‭ ‬الى‭ ‬الأوضاع‭ ‬الوطنية‭ ‬والاقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

‎إن‭ ‬العودة‭ ‬الطوعية‭ ‬تجنّب‭ ‬الترحيل‭ ‬القسري‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬احتجاز‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬دخول‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬حتى‭ ‬بطريقة‭ ‬قانونية‭ ‬ومنظمة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬المساعدة‭ ‬اللوجستية‭ ‬مثل‭ ‬تسهيل‭ ‬استخراج‭ ‬وثائق‭ ‬السفر‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الوثائق‭ ‬مفقودة،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬تذكرة‭ ‬السفر،‭ ‬وإمكانية‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬مهني‭ ‬صغير‭ ‬لبدء‭ ‬مشروع‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬البلد‭ ‬الأصلي،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬السلبيات‭ ‬والتحديات‭ ‬وأبرزها‭ ‬غياب‭ ‬الضمانات‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬العائد‭ ‬طوعيا‭ ‬لا‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬العود‭ ‬والقصص‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬عديدة‭ ‬ومؤلمة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬وجاهة‭ ‬المقاربة‭ ‬التونسية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الشمولية‭ ‬والديمومة‭.‬

‫شاهد أيضًا‬

الذكرى 78 لـ«النكبة» العودة حلم مشروع.. المقاومة حقّ ثابت

تمرّ هذه الأيام الذكرى 78 لـ«النكبة»، ذكرى قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ذات 15 ماي …