البرنامج الوطني للتحسين الوراثي للزراعات الكبرى: خطوة حاسمة نحو السيادة الغذائية
الصحافة اليوم: سميحة الهلالي
لا يقتصر تحقيق الأمن الغذائي على زيادة الكميات المنتجة فحسب، بل يشمل أيضا ضمان جودة الغذاء وسلامته، واستدامة الموارد الطبيعية. هنا تكمن أهمية التحسين الوراثي للزراعات الكبرى إذ يساهم في ترشيد استهلاك المياه وتقليل الحاجة إلى المبيدات الكيميائية، مما يحمي البيئة ويحافظ على صحة التربة للأجيال القادمة. كما يفتح آفاقاً جديدة للتصدير، ويضمن المحافظة على أفضل المشاتل والسلالات الأصلية التي تميز المنتجات التونسية الخالصة.
في هذا السياق يتنزل البرنامج الوطني للتحسين الوراثي للزراعات الكبرى كمبادرة إستراتيجية مهمة أطلقتها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، بالتعاون مع المعهد الوطني للبحوث الزراعية والمعهد الوطني للزراعات الكبرى بهدف استنباط أصناف جديدة من الحبوب والبقوليات، وتثمين البذور الوطنية، ورفع مردودية الأراضي الزراعية، ليصبح سنداً قوياً لتحقيق السيادة الغذائية والأمن الغذائي.
ويأتي هذا البرنامج الطموح في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الزراعة التونسية، خاصة مع التغيرات المناخية المتسارعة والجفاف المتكرر وارتفاع أسعار المواد الأساسية عالمياً، حيث أصبح تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية أولوية وطنية لا تقبل التأجيل ضمن رؤية شاملة للدولة ترمي إلى تقليل الاعتماد على التوريد الخارجي، الذي يعرّض البلاد لمخاطر التقلبات العالمية. فالزراعات الكبرى، مثل القمح الصلب واللين والشعير والفول والعدس، تمثل عماد الغذاء اليومي للمواطن التونسي. غير أن الظروف المناخية القاسية، من نقص الأمطار إلى ارتفاع درجات الحرارة، تهدد هذه المنظومة. لذلك يركز البرنامج على تطوير أصناف مقاومة للجفاف والأمراض والإجهادات البيئية، مع الحفاظ على الخصائص الطبيعية والجودة العالية للمنتجات المحلية.
وفي هذا السياق أكد النائب حسن جربوعي رئيس لجنة الفلاحة بالبرلمان لـاالصحافة اليومب أن تونس من بين 8 دول في العالم التي تمتلك بنك جينات وأن الحرب الحقيقية في العالم اليوم هي ما يمكن أن نسمّيها بالحرب على الزراعات البيولوجية وعلى البذور التي لديها استدامة والقادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.
ويؤكد محدثنا أن بلادنا تحتكم على ثروة من البذور وأن الزراعة الموجودة وجب حسن استغلالها من خلال الحرص على استرجاع الإرث من البذور الأصلية التي تتماشى مع الجفاف والتغيرات المناخية.
ولفت جربوعي إلى ضرورة توجه الدولة مع كل الهياكل المعنية نحو تغيير الخارطة الفلاحية والتركيز على المناطق السقوية لتكوين مخزون استراتيجي من البذور وأن تحافظ على العملة الصعبة وتقطع مع التوريد الذي تقدر نسبته بـ90بالمائة ناهيك عن المحافظة على البذور الأصلية التي اندثرت تقريبا بما يمكنها من المحافظة على سيادتها الغذائية وتوفير منتوجات تتماشى والتغيرات المناخية.
وأشار محدثنا إلى أن شعار المرحلة هو التعويل على الذات وتحقيق السيادة الغذائية والتي لا تكون إلا بإرادة سياسية حقيقية وإستراتيجية واضحة المعالم تستند أساسا على تغيير خارطة المجتمع الفلاحية وتطوير آلات الحصاد عن طريق التعاونيات والشركات الأهلية وأن تكون محاصيلنا ذات جودة ومزيد الإحاطة والمحافظة على المنتج باعتباره حجر الزاوية في العملية برمّتها وذلك بدعم الفلاح من خلال ترفيع سعر شراء القنطار من الحبوب وتوفير البذور والأدوية وتوفير مراكز تخزين قريبة منه أو تمكينه من التخزين الذاتي بالإضافة إلى الاعتماد على البحث العلمي.
وشدّد محدثنا على أن توجه أعلى هرم السلطة منكبّ على دعم صغار الفلاحين إضافة إلى أن مجلس نواب الشعب وافق على إسناد قروض التمويل للمشاريع ذات الصلة وكلها عوامل تهدف للنهوض بالقطاع الفلاحي وتعمل على تحقيق السيادة الغذائية وأن سبيل تحقيق ذلك هو القطع مع البيروقراطية وإيجاد الموارد لتمويل هذه الخطة، بذلك فقط نتمكن من تحويل الشعارات إلى منجز على أرض الواقع.
وبالعودة إلى هذا البرنامج فإن أهميته تكمن في أنه يربط ويمزج بين البحث العلمي والتطبيق الميداني في مراوحة بين مختبرات المعاهد المتخصصة حيث يتم العمل على اختبار الأصناف في بيئات مختلفة، من الشمال الرطب إلى المناطق الجافة لضمان قدرتها على الصمود والتأقلم، وهذا النهج العلمي هو ما سييساعد الفلاحين على مواجهة تقلبات الطقس، ويقلل من خسائر المحاصيل التي كانت تؤثر سلبا على دخلهم واستقرار الإمدادات الغذائية. كما يساهم في الحفاظ على التنوع الوراثي المحلي، الذي يمثل ثروة وطنية لا تُقدَّر بثمن، بدلاً من الاعتماد الكلي على الأصناف المستوردة.
أما استراتيجيا، فإن هذا البرنامج يندرج ضمن مخطط التنمية الفلاحية للفترة 2026 ـ 2030 الذي أقرّته الحكومة بتوجيهات من رئيس الجمهورية والذي يهدف إلى إصلاح هيكلي لقطاع الحبوب، من خلال توفير البذور والأسمدة المدعومة في الآجال المناسبة، وتحفيز الفلاحين على زيادة المساحات المزروعة، وتحسين ظروف التخزين والتجميع وكلها إجراءات تصب في اتجاه واحد وهو جعل السيادة الغذائية قرارا وطنيا ثابتا، وليس مجرد خيار يتأثر بالظروف الخارجية.
وحريّ بالذكر أن جهود الدولة لا تقتصر على البحث العلمي فقط. فهناك برامج تكوينية موجهة للفلاحين والمكونين، وشراكات مع المنظمات المهنية، ودعم فني ميداني لضمان نقل التكنولوجيا إلى الواقع العملي كما يتم تشجيع الفلاحين على اعتماد البذور الممتازة الوطنية من خلال حملات توعوية وتسهيلات في الأسعار، وهو ما يزرع الثقة بين الباحثين والمنتجين، ويضمن نجاح البرنامج على المدى الطويل.
تعزيز سيادة تونس الغذائية والمائية..
شدّد وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ على ضرورة تسريع نسق إنج…


